وربما كان هذا العصر خاتمة العلم الإسلامي، نعم كان بعده علم، ولكن ليس إلا ترديدا لعلم القرن الرابع.
وربما كان السبب في ذلك إقفال باب الاجتهاد في هذا العصر، فشمل الخمود والجمود كل علم، وكل أدب، وانتشر في العلماء قلة الثقة بأنفسهم، وزعمهم أن ليس للآخرين ما كان للأولين، وربما كان من الأسباب أيضا السياسة الفاسدة بعد أن طال زمنها، ووصل تأثيرها السيئ إلى العلم، ثم جاءت نكبة التتار، فذهبت بالبقية الباقية من هذه الحركة العلمية.
ومما يؤسف له أن نرى العلماء في ذلك العصر الزاهر انطووا على أنفسهم، وتركوا الظالمين من غير أن يقفوا في سبيلهم، ولم يستطيعوا أن يضحوا، فيجهروا بالحق أمام الظالمين، والأدباء الذين ارتفع صوتهم ارتفعوا بمدح الظالم لا بردعه، وتحريضه لا قمعه، ولم يكن عندهم شعور بأنهم مسئولون عن ظلم الظالم، والصوفية الذين كانوا مظنة الجهر بالحق انطووا أيضا على أنفسهم، وغسلوا أيديهم من هذا العالم، والوعاظ الذين كانوا يعظون، كانوا يعظون الشعب بتحمل الظلم، ولا يعظون الظالم بالارتداع عن الظلم ...!
وكان إحساس الناس بالظلم والعدل ليس إحساسا مرهفا، بل قد يعدون الظلم فضيلة، فنحن نرى أن الزجاج النحوي المشهور كان يفرض جعلا على أصحاب المظالم؛ ليرفع الرقاع إلى الوزير، والوزير هو الذي مكنه من ذلك، والناس يصفونه بالصلاح والتقوى، والشعراء يمدحون إذا أعطوا، ويهجون إذا لم يعطوا، وقل أن يمدحوا أميرا بالعدل، أو يهجوه للظلم، والقصيدة في المدح أو الهجاء يصلح أن تنطبق على كل أحد سواء من استحق المدح أو الذم، وليس فيها تحليل دقيق لنفسية الممدوح أو المهجو.
والناس يحترمون العالم ويوقرونه؛ لأنه زهد فيما في أيديهم، لا لأنه سعى في خيرهم أو كشف الغمة عنهم.
على كل حال، لو سار العلم على طول الخط، كما سار في القرن الرابع الهجري؛ لكان شأننا غير شأننا اليوم، ولكان منا المخترعون المبتكرون، ولكن الجمود من جانب، والظلم من جانب؛ أماتا النفوس، وجعلا اليقظة صعبة.
ثم من الأسف أيضا أن أقبل الناس كثيرا على النظريات المجردة، أكثر من إقبالهم على العمليات المجربة، مما نرى في مثل فلسفة الفارابي، والإمعان فيما وراء الطبيعة التي هي عبارة عن خيال في خيال، فأما نمط أمثال ابن الهيثم في ابتكاراته، فقد مات تقريبا.
وانصب الأدب في قوالب هي عبارة عن زينة لفظية، لا معنى غزير، ووقفوا عند المنهج الذي رسمه من قبلهم، فلا وزن يخترع، ولا نوع يبتكر، إلا أنواعا سخيفة كالغزل بالمذكر الذي اخترعه أبو نواس، او الفحش الفاجر الذي أفاض فيه ابن حجاج، وابن سكرة، أو استجداء وحيل لكسب، كالذي اخترعه بديع الزمان، والحريري.
وغلب منهج المحدثين في كل شيء، بما فيه من خير أو شر، فما فيه من الخير، هو الدقة في الرواية، ونقد الرواة، والحرص على السند والإجازة، والشر في الاعتماد على النقل دون العقل، وتقديس ما في الكتب، وتخريج عبارات المؤلفين، وإن كانت تصرخ بالخطأ إلى غير ذلك، وظل هذا المنهج يعمل به في الأوساط الشرقية، وأخيرا فقد ظل العالم الإسلامي طوال القرون العديدة يتغذى بعلم القرن الرابع، وأدبه، ومنهج علمائه إلى اليوم.
ونرى من كل هذا العلم العربي، وإن شئت فقل الإسلامي، بلغ في هذا العصر ذروته، وكان مظهره مصداقا لما قلنا من قبل، من أن العلم ليس بضروري أن يلازم السياسة في رقيها وانحطاطها، فقد ترتقي السياسة، وينحط العلم، وقد يكون العكس كما ذكرنا، والسبب في الارتقاء يعود إلى: (1)
امتزاج العلوم والثقافات لم يكن تم نضجه إلا في عصرنا هذا. (2)
أن العلماء المسلمين وجدوا أساسا صالحا، فكان من نشاطهم أن بنوا عليه. (3)
أن المعتزلة كانت فرقة جادة مفكرة، أثمرت ثمارها في هذا العصر، ولكن مع الأسف لم يمض هذا العصر حتى أخذ نجمهم في الأفول، وبحر العلوم في الانحسار.