الجمال والأفراس، وربما كان المقصود بالجمال هو ما يسمى الآن «الهجين»؛ لسرعة سيره، وربما بلغت قافلة البريد أربعين أو خمسين جملا، وقد أعدت للبريد شبكة من الطرق، تشبه شبكة القطارات اليوم. (2)
السفن في البحار، وقد يستعملان معا. (3)
الرجال العداءون، وخاصة في المدن الكبيرة كبغداد. (4)
الحمام الزاجل؛ فيربطون ورقة، ويعلقونها بعد تمرين الحمام على السير على مواقع يعلمونها. (5)
أحيانا يستعملون سهما يضعون فيها قصبة فيها ورق، ثم يطلقونها، فيستلمها آخر، ويفعل بها مثل ذلك. (6)
وأحيانا يستعملون ماء النهر فيضعون فيه الخرائط من الجلد، مكتوبا عليها اسم صاحبها.
وأحيانا يستعمل البريد لحمل بعض الناس الذين يأمر الخليفة بإحضارهم، وكانت توضع في أعناق الدواب سلاسل وأجراس تسمعها المدينة، فتعرف أن البريد حضر، ويسمونها عادة «قعقعة البريد»، وكانت تقسم الطرق إلى مراحل، وفي كل مرحلة فندق كبير ينزل فيه عمال البريد ليرتبوا شئونهم فيه، وهكذا إلى أقصى المملكة الإسلامية.
وقد أدت مصلحة البريد هذه خدمات كبيرة إلى المملكة الإسلامية من مثل قمع الفتن، ومنع المشاكل من الحدوث بسبب التأهب لها، وكثيرا ما حملت العلماء من مكان إلى مكان ليحصلوا العلم، والتاريخ مملوء بذلك.
وهناك عمال آخرون لحفظ طرق البريد، وإمدادها بالأفراس، أو الإبل الملاح، وحماة يحمونها من القطاع والسراق.
| خاتمة
من هذا نرى أن الحركة العلمية في القرن الرابع كانت على أشد ما يكون، وأنه لم يشهد مثلها القرن الذي قبلها، ولا الذي بعدها، وأنه لم يخل فرع من فروع العلم المعروفة في زمنهم من علماء يبحثون فيه ويوسعونه، وأن الفقر كان نصيب العلماء إلا من اتصل بالقصور، وأنه رغم انحطاط السياسة لم يتأثر العلم بها، فكان العلم والسياسة في ذلك الزمان ككفتي ميزان رجحت إحداهما، وهي كفة العلم، وشالت الأخرى، وهي كفة السياسة، وربما كان السبب في ذلك أن السياسة تحتاج إلى زمن طويل، حتى يظهر أثر ضعفها في الحياة العامة، وهذا ما كان لأنها أثرت في العلم أثرا سيئا في القرون التي بعد هذا القرن، بل ربما كانت السياسة في قرننا هذا سببا غير مباشر لرقي العلم من جهتين: الأولى: أن العلماء لما رأوا سوء السياسة، وظلمها، وعنتها، واضطرابها، كرهوها، وانصرفوا إلى العلم، وهو الملجأ الآمن المطمئن، حتى كان بعضهم يأنف كل الأنفة أن يتصل بأمير أو وزير، ويتعفف عن زيارة السلطان وأعوانه، ويفضل العيش النكد مع السلامة، على العيش الرغد مع الخوف، والثانية: اتخاذ الأمراء، والوزراء العلماء زينة يزينون بها مملكتهم، فلفت ذلك نظر بعض الناس أن يتعلموا ليتصلوا بهم، وينتفعوا مما في أيديهم، فكان هذا السبب سببا في كثرة العلم، سواء المعرضون عن الولاة، أو المقربون إليهم.
ونرى أنه في هذا العصر زاد التصوف، ونما وازدهر، وذلك لجملة أسباب: (1)
الارتقاء الطبيعي مع مرور الزمن. (2)
فساد الدنيا، فحمل بعض الناس على أن يتركوها لأصحابها، ويطلبوا الله والآخرة. (3)
ما كان من قيام الفقهاء على الصوفية، وتحريض الأمراء على التنكيل بهم، كالذي رأينا من قصة غلام الخليل والحلاج، فدعا إلى ذلك إلى اضطهاد الصوفية، والناس دائما أعطف ما يكونون على المضطهد، والفكرة إذا اضطهدت كان اضطهادها علامة حياتها.
ورأينا في هذا العصر كثرة المذاهب، وكثرة الاحتكاكات بينها، كالاحتكاك بين المذاهب الفقهية المختلفة، والاحتكاك بين الشيعة والسنية، والاحتكاك بين الفقهاء والصوفية، والاحتكاك بين المحدثين والفلاسفة، وهذه الاحتكاكات المختلفة سببت نشاطا عجيبا في الحركة العلمية؛ إذ كان كل فريق يرى أن يتسلح أمام الخصوم بكل الوسائل ليتغلب عليهم.
ولعل ذلك كان من الأسباب التي روجت الفلسفة اليونانية بين المسلمين؛ لأن منطقها أقوى سلاح يتسلح به.