تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسبب في قلة الدخل أن كثيرا من الممالك انفصلت عن الدولة العباسية واستقلت، كإفريقيا، وخراسان، ومصر، وفارس، وما وراء النهر، وكلها كانت تدر مالا كثيرا على الدولة في بغداد. وتململ الناس في عصرنا هذا من كثرة الضرائب، فبدأ الخلفاء يخفضونها من عهد المأمون، ونقصت الجزية، وكانت موردا كبيرا للمال بسبب اندفاع الناس إلى الدخول في الإسلام، وكان العهد عهد إقطاع، وهو عهد ظالم، كالذي شاهدناه في عصرنا، وزاد الطين بلة إفراط الخلفاء، ومن إليهم في أسباب الترف، فانغمسوا في اقتناء الجواري من كل الأصناف، واتخذوا الفرش من الخز والديباج والحرير، والمسامير من الفضة، وأكثروا من المتنزهات، والقصور، والمدن، ومجالس البيوت، وتأنقوا في الطعام واللباس تقليدا للفرس، وتحول الغنى من الخلفاء إلى النساء والخدم والقواد، حتى حكى صاحب المستطرف أنه كان بين رياش أم المستعين بساط أنفقت على صنعه 130 مليون دينار - على ما يقولون - فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور، أجساما من الذهب، وعيونها من الجواهر، حتى ليذكروا أن شاعرا مدح امرأة فأعطته درا قوم بعشرين ألف دينار، وكثر الإعطاء للمداح من الشعراء، كما يحدثنا صاحب الأغاني، حتى لا يكاد الإنسان يصدق ما يحكيه من العطاء لكثرته.

وكثر الإعطاء من المال للوزراء والقضاة والقواد، حتى بلغت ماهية الحسين بن علي الماذراني والي مصر في أول القرن الرابع 3000 دينار في الشهر؛ هذا عدا ما يفرضه الخلفاء لأنفسهم وأهليهم، خصوصا وقد منعوا السلطة، فصارت في يد وزرائهم من الأتراك.

والحق أن الإدراة المالية إذا اختلت اختل تبعا لها كل شيء، من علم، وتجارة، وزراعة، وصناعة، فعجيب أن يزهر العلم في هذا العصر، حتى يبلغ ذروته، ويختل النظام المالي، وهذا يدلنا على أنه قد تختل السياسة، ويختل المال، ويزهر العلم؛ لأن اختلال السياسة، واختلال المال لا يظهران إلا بعد عهد طويل.

وكان من أهم المصالح الإدارية مصلحة البريد، وقد عني بها المسلمون من العهد الأموي، كما عني به العباسيون، وكانت مصلحة البريد تقوم بوظائف أكثر مما تقوم به مصلحة البريد اليوم، فكانت تقوم بما تقوم به اليوم مصلحة المخابرات؛ إذ كان رجال البريد مكلفين بإخبار الخلفاء بكل حركة يقوم بها كبار العمال؛ حتى يتأهبوا لها، ولذلك يروى أن طاهرا أمير خراسان، وأول من انفصل عن الدول، وأسس الدولة الطاهرية قطع الخطبة للمأمون على المنبر؛ وكلمه في ذلك صاحب البريد، فاعتذر بأنه نسيان منه، وتقدم إليه ألا يكتب للخليفة، وتكرر منه ذلك ثلاث مرات، فقال له صاحب البريد: إن كتب التجار لا تنقطع عن بغداد، وإن اتصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيري لم آمن أن يكون سبب زوال نعمتي، فقال: اكتب إليه. وكان الخلفاء لا يحجبون صاحب البريد، ولو جاء في نصف الليل، علما منهم بأن مبادرة الأمور في أوائلها خير من الانتظار عليها.

ولذلك قال المنصور: «ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعف منهم، أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والثاني: صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث: صاحب خراج يستقصي، ولا يظلم الرعية، والرابع: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة». ولذلك كان العمال يخافون من صاحب البريد، ويعتبرونه جاسوسا عليهم عند الخليفة، وأحيانا يجعل الخلفاء بينهم وبين أصحاب البريد رموزا، أشبه ما تكون بالشفرة اليوم، حتى لا تقع في يد العامل، فيعرف محتوياتها، هذا ما يتعلق بالخلفاء، يضاف إلى ذلك مكاتبات الناس، وأحيانا ينتهز بعض الناس فرصة البريد، فيركبون معه؛ لأن ذلك آمن لهم، وفي بعض الأحيان كانت ميزانية البريد 159100 دينار في السنة.

أما وسائل البريد، فكانت أمورا كثيرة: (1)

ظهر الإسلام · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢١٠