عدول لهم ظلم الضعيف سجية
يسمون أعراب القرى والجوامع
وكان الفقهاء أولا يكرهون أن يأخذوا أجرا في نظير قضائهم، ثم عين لهم أجر قليل، فكان ابن حجيرة في مصر يتقاضى مائتي دينار في السنة، وكان عبد الرحمن بن سالم قاضي مصر أيضا يتقاضى عشرين دنيارا في الشهر.
وكان بعض القضاة يتجر بجانب منصبه ليعيش عيشة محترمة، وقد رفع العباسيون ماهية القضاة، فكان مرتب عبد الله بن لهيعة ثلاثين دينارا في الشهر، وفي عصر المأمون، جعل للفضل بن غانم مائة وثمانية وستين دينارا في الشهر، ويقول الرحالة ناصر خسرو: «إن مرتب قاضي القضاة في مصر ألفا دينار في الشهر» ... إلخ.
وقد انحط القضاء على توالي الأزمان، فقل أن ترى قاضيا محترما مهيبا وقورا، كالذي كنت تراه من قبل.
أما الإدارة، فكان على رأسها الخلفاء، وقد رأيت من قبل كيف انحطت رتبهم، واستبد بهم الوزراء، كما انحطت ثقافتهم؛ لأن الوزراء كانوا يكرهون خليفة مثقفا.
ويحكي صاحب كتاب العلوم أن الوزير أبا أحمد العباس بن الحسن كان راكبا، ومعه أحد الكتاب الأربعة الذين يتولون الدواوين، فشاوره فيمن يرشح للخلافة بعد المعتضد، وكان الوزير يميل إلى ابن المعتز، فأجابه الكاتب: إنه يجب ألا يولى في هذا الأمر من عرف دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، ومن لقي الناس ولقوه، وعرف الأمور، وحنكته التجارب. قال له الوزير: صدقت، فمن نقلد؟ فأشار الكاتب عليه بجعفر بن المعتضد، وقال: إنه صغير، لا يدري أين هو، وعامة سروره أن يصرف من المكتب، فعمل الوزير على تقليده، وكان صبيا في الثالثة عشرة من عمره، وهكذا حتى كانوا يفتشون الكتب التي يقرؤها المرشح للخلافة؛ لئلا تكون فيها منفعة، بل تكون لهوا صرفا، كالسندباد البحري، وألف ليلة وليلة، فما أكره الوزراء للخلفاء المتعلمين، ولذلك ضعف شأن متولي الإدارة، وكانت دواوين كثيرة، لكل ولاية ديوان يدير شئونها، حتى وحد المعتضد هذه الدواوين، وجعل منها ديوانا واحدا أسماه «ديوان الدار» له ثلاثة فروع: ديوان المشرق، وديوان المغرب، وديوان السواد، أي العراق، ولم تكن العدالة مرعية، فكثرت المصادرات، بل كثر التعدي على الأرواح، ولم يعد أحد يأمن على نفسه، وعلى ماله حتى الخليفة، فكم صودر، وكم سلبت أمواله، أو سلمت عينه، وفشا في هذا العصر أخذ المسائل الإدارية كالقضاء التزاما يلتزمون المرفق العام للخليفة، ثم يستبدون بمن يليهم. يقول ابن المعتز:
أفما ترى بلدا أقمت به
أعلى مساكن أهله خص
وولاته نبط زنادقة
ملأى البطون، وأهله حمص
وتهافت أرباب الدواوين على الألقاب، وقد كانت العادة من قبل أن يكتب للناس من فلان إلى فلان، ففي أول القرن الرابع كان يخاطب الوزراء والكبراء بيا سيدنا ومولانا، وكان ابن سعدان يخاطب الوزير ابن عباد، بالصاحب الجليل، ويخاطب الصاحب ابن سعدان بالأستاذ مولاي ورئيسي، ثم زادت الألقاب، حتى قال الخوارزمي:
ما لي رأيت بني العباس قد فتحوا
من الكنى ومن الألقاب أبوابا
ولقبوا رجالا، لو عاش أولهم
ما كان يرضى به للحش بوابا
قل الدراهم في كفي خليفتنا
هذا، فأنفق في الأقوام ألقابا
ولقبوا المارودي القاضي بلقب «أقضى القضاة»، وزادت الألقاب فيما بعد زيادة كبيرة، وتشكلت بالشكل التركي، وزادت حتى فقدت قيمتها.
وكانت الإدارة المالية سيئة جدا؛ لأنها شديدة الحساسية، يحلها مليم، ويعدلها مليم؛ وذلك لأنها كانت سيئة في دخلها، تعتمد كثيرا على المصادرات التي شرحناها من قبل، وفي خرجها إذ كثرت النفقات للإسراف في الترف، كما بينا، وكانت جباية الأموال غير عادلة، ولا دقيقة.
ويروي لنا المؤرخون أن بعض الملاك يبيعون أرضهم بيعا صوريا لأولاد الأمراء ليقل الخراج عليهم، وبدأت ميزانية الدولة تنحط، ويزيد الخرج على الدخل، فكان مقدار الميزانية حسب ما وصلنا في عهد المقتدر على حسب تقدير الوزير المشهور علي بن عيسى نحو 1904ه 1450 دينارا، أضاعها كلها الخليفة المقتدر، كما أضاع ما تجمع عنده من الخلفاء قبله؛ وذلك بسبب كثرة الجند، وشغبهم، ومطالبتهم بالزيادة، حتى اضطر أن يبيع دياره، وفرشه، وآنية الذهب التي عنده، وبلغ من فقر بيت المال في أيام المطيع لله سنة 361ه أن باع ثيابه، وأنقاض داره؛ ليدفع 400 ألف درهم طلبت منه للجند في أثناء الفتنة ببغداد.