وعلى الجملة، كانت الزراعة والصناعة والتجارة متعاونة، يمد بعضها بعضا، ولكثرة عدد الأهالي نمت هذه العناصر الثلاثة في ذلك العصر، حتى ليحكي بعضهم أشياء عنها قد لا يصدقها العقل، وربما كانت الزراعة هي العنصر الوحيد الذي لم يتغير في الشرق إلى اليوم، فلا يزالون يستعملون آلات الزرع العتيقة من ساقية، وشادوف، وطمبور، ونحو ذلك مما كان يستعمله قدماء المصريين.
قد تغيرت التجارة والصناعة كثيرا عن قبل، ولكن الزراعة لم تتغير كثيرا عما كانت، إلا عند القليل الذين استعملوا الآلات الحديثة.
الفصل الثاني عشر
| القضاء والإدارة
من قديم وكبار الفقهاء يكرهون تولي القضاء، كالذي روي عن مالك، وأبي حنيفة من كراهية تحمل المسئولية، وخوفا من الحيد ولو قيد شعرة عن العدل، إنما يتولاها من أكره عليها، أو كان شرها يحب المال، ويقوي ضميره على تحمل المسئولية، وكانت أكبر مشكلة في زماننا، وقبله اختلاط الاختصاص بين الوالي والقاضي، فكلاهما يرجو توسيع الاختصاص، وكثيرا ما اصطدما، فمثلا: تزوجت امرأة رجلا ليس بكفء لها، كحادثة الشيخ علي مع بنت السادات، وأنكر وليها الزواج، وطلب من القاضي فسخه، فامتنع، فذهب أهلها إلى الأمير، فأمر القاضي بالفسخ، فامتنع أيضا، ثم فرق الأمير بينهما، وسبب ذلك الاختلاط بين سلطة القضاء، وسلطة التنفيذ. وكان القاضي يتولى سلطانه من قبل الخليفة، وكان كثير من القضاة ذوي عظمة وجلال، حتى يحضروا الولاة في مجالسهم إذا احتاج الأمر، ويحكون عن القاضي ابن حربويه الذي توفى سنة 329ه أنه كان آخر من ركب إليه الأمراء، وكان لا يقوم للأمير إذا حضر، وكان عزيز النفس، عدلا، حتى إن مؤنسا الوالي الكبير مرض، فأرسل إلى القاضي يطلب شهودا، يشعرهم أنه أوصى بوقف على جهة من جهات الخير، فقال القاضي: لا أفعل حتى يثبت عندي أنه حر، وكتب إلى الخليفة المقتدر يسأله إذا كان قد أعتقه ، ولما وصل الكتاب أبى القاضي إلا أن يشهد عدلان أنه كتاب أمير المؤمنين، وكان ابن حربويه هذا مثلا عاليا للقاضي، فلا يفعل أمام الجمهور ما يحط من كرامته، وكان لا يتقيد بمذهب من المذاهب، بل يجتهد. ومن القضاة العظام في هذا العصر أبو حامد الإسفرائيني قاضي بغداد المتوفى سنة 406ه، كتب إلى الخليفة يقول له: «اعلم أنك لست بقادر على عزلي عن ولايتي التي ولانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن أكتب إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث، أعزلك عن خلافتك»، حتى لقد كان بعضهم من القوة، بحيث يستطيع أن يأمر بسجن أمير أو وزير، وكان من أعظم القضاة في ذلك العصر أبو الحسن بن أبي الشوارب، فكان قاضيا عادلا مهيبا، وكان قاضي البصرة سنة 399ه.
ولم تكن عرفت المحكمة، ولكن عرفوا أن القضاء يجب أن يكون مباحا للجمهور، فكان القضاة يجلسون في المسجد، أو على بابه، أو في دار القاضي، ويتقدم المتقاضون برقاع فيها اسم المدعي، والمدعى عليه، وهي المسماة اليوم «عريضة الدعوى»، ويعطونها للكاتب، وإذا حضر القاضي دفعها إليه، فيفصل فيها كلها أو بعضها، وإذا لم يستطع أجل ما لم يستطعه إلى الغد، ويحكون أن إبراهيم بن الجراح كان مكروها من المصريين، فكان يقضي في داره، ولما ولي هارون بن عبد الله قضاء مصر جعل مجلسه في الشتاء في مقدم المسجد، واستدبر القبلة، وأسنده ظهره بالجدار، واتخذ مجلسه في الصيف في صحن المسجد، واستمر الحال على ذلك إلى منتصف القرن الثالث الهجري، فمنع الخليفة المعتضد من جلوس القاضي في المسجد، ولكن هذا النهي لم ينفذ، وكره أبو العلاء المعري في عصره سيرة القضاة، والشهود المسمون بالعدول، فقال:
في البدو خراب أذواد مسومة
وفي الجوامع والأسواق خراب
فهؤلاء تسموا بالعدول أو التج
ار واسم أولاك القوم أعراب
ويعني بمن في الجوامع: القضاة، والشهود، ويقول في موضع آخر: