واشتهرت في تنيس مدينة تسمى «الديبق»، وإليها ينسب القماش المسمى بالديبقي، وربما بلغ الثوب الديبقي مائة دينار، وفيها كانت تصنع المنسوجات للخليفة البغدادي، ولا يدخل فيه من الغزل غير أوقيتين، وينسج باقيه بالذهب بصناعة محكمة، لا تحوج إلى تفصيل، ولا خياطة، وتبلغ قيمته نحو ألف دينار، وكانت تنيس وحدها سنة 360ه تصدر إلى العراق من الأقمشة ما يبلغ 20 ألف دينار إلى 30، وكانت تصدر تنيس أيضا ثيابا رقيقة جيدة، كأنها المنخل، يسمى بالقصب، وكان هذا القصب يلون، ويعمل عمائم للرجال، وكان النساء في مصر يغزلن الكتان في منزلهن، كما يفعل أهل سويسرا في صناعة الساعات، وقلدت فارس مصر في صنع ثياب الكتان، وخصوصا مدينة كازارون، فكانوا يبلون الكتان في البرك، ويغسلون خيوطه في نهر يسمى نهر الرهبان، وكان من خصائص هذا النهر تبييض خيوط الكتان، ولا يغسل فيه إلا بتصريح من الأمير. ولم يشتهر القطن كثيرا في هذا الزمان، واشتهرت مرو بصناعة نسيج القطن، فكانت تنتج ملابس ثقيلة؛ حتى إن المتنبي يسميها «لباس القرود».
وانتشرت صناعة الحرير، وأعظم مصانع الحرير في ذلك العصر كانت بفارس، أخذها الفرس عن الروم، واشتهرت خوزستان بذلك، وكانت الطنافس التي تفرش على الأرض تصنع بالعراق في مدينة الحيرة، وقد استمدت صناعتها من الروم، واشتهرت صناعة الحصر في كل البلاد الإسلامية.
وكان المصريون يصنعونها من البرد، كما اشتهرت صناعة ماء الورد، وأهم ما تصنع فيه مدينة «جور» لشهرتها بالورد الجوري، وينقل من جور إلى سائر البلدان كالمغرب، والأندلس، ومصر، واليمن، وبلاد الهند، والصين، ومما قدم الصناعة في القرن الرابع اكتشافهم قوة المياه، واستخدامهم لها في إدارة الطواحين؛ كما أن أهل البصرة استخدموا حركة المد والجزر، فأنشئوا عليها الأرحية؛ ذلك أن الجزر والمد يحدثان عندهم مرتين في كل يوم وليلة، ففي أثناء المد يدخل الماء الأنهار، وفي أثناء الجزر ينحسر الماء، فعمدوا إلى أرحية أقاموها على أفواه الأنهار، أما الجهات التي ليس بها أنهار، فكانوا يستعملون الدواب في إدارة الطواحين.
وقد اشتهرت مطاحن الموصل، فكانت تصنع من الخشب والحديد، وتسمى الواحدة منها عربة، وبعض الطواحين يستخدم فيه شدة هبوب الريح، حتى كان من دقتهم تنظيم سرعتها بواسطة منافذ تغلق وتفتح.
وقد نقل المصريون صناعة الورق عن الصين، ولكن تقدموا فيها بواسطة تنقيته مما كان يعلق به من ورق التوت ونحوه، وانتشرت صناعته في دمشق، وطبرية، وطرابلس، وسمرقند، ولولا كثرته ما انتشرت العلوم انتشارها في هذا العصر، واشتهرت حران بصناعة آلات الفلك، كالإصطرلاب، وبصناعة الموازين الصحيحة؛ واشتهرت المقدس بصناعة السبح؛ لكثرة الزوار.
وأما الزراعة، فاشتهرت في هذا العصر، حتى ربما أمكن العالم الإسلامي أن يكفي نفسه، فكانت العراق تكثر من زراعة الحنطة، والهند من الأرز، وفلسطين ومصر من القلقاس، واشتهرت في البلدان كلها زراعة الكروم، واشتهرت زراعة العنب في اليمن، وهو كثير الأصناف، يجود كل صنف منه في بلد. واشتهرت في هذا العصر فاكهتان، وهما: الأترج، والنارنج، وكانت هاتان الفاكهتان نادرتين في هذا العصر، وقد جلبتا من الهند إلى عمان، والبصرة، والعراق، والشام، واشتهرت زراعة البطيخ، واشتهر شمال فارس بجودة الفاكهة، حتى بلغ أن كان البطيخ يقدد، ويحمل إلى العراق، وعلا شأن الرمان؛ وكان أحسن التفاح في ذلك العصر تفاح الشام، حتى كان مضرب المثل في الحسن، ويحدثنا الثعالبي في «لطائف المعارف» بأنه كان يحمل إلى الخلفاء في كل سنة منه ثلاثون ألف تفاحة.
واشتهر في العراق، والحجاز، ومصر تصدير مقادير كبيرة من الثمر، وكان الناس في مصر يستخدمون زيت المصابيح، من جذور البنجر واللفت، ويسمونه الزيت الحار، ولحاجتهم إلى السكر كان يزرع في كثير من البلدان، وعملوا المربات، والفواكه المحفوظة، وملحوا السمك، وأكلوا نوعا من الطين الأخضر كالسلق، كانوا يستعملونه بعد الأكل، يجلب من نيسابور، ويسمى بالنقل، وكان الرطل منه ربما يباع في مصر بدينار.