تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن نشاطهم في البحر بأقل من نشاطهم في البر، ومن هذه الحركات نشأت أسطورة «السندباد البحري»، وكان أهم بحار المسلمين في التجارة هو البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي، فكانوا ينقلون التجارة على الجمال إلى السويس، ثم إلى الحجاز، ثم إلى المحيط الهندي؛ وكانوا يقطعون على الجمال الصحراء من الخرما، إلى القلزم، أو البحر الأحمر في سبعة أيام، واستخدموا لهذه الرحلات البحرية المراكب الشراعية الكبيرة، حتى حكوا أن بعض المراكب كانت تعمل آلافا من الناس، ومعهم كثير من السلع التجارية، وقالوا: إن سفن البحر الأبيض كانت أكبر من سفن المحيط، وكانت البصرة أهم ميناء يبحر منه التجار إلى أنحاء العالم، وكان نجاح هؤلاء التجار مشجعا لأمثالهم على أن يشتغلوا في التجارة، ويربحوا منها. وكتاب «ألف ليلة وليلة» مملوء بالقصص عن هؤلاء التجار، وغيابهم وطول أسفارهم، وكانت الصين وروسيا ميدانا فسيحا لهذه التجارات.

وقد أثرت حركة التجار الواسعة هذه في الحياة العامة للشعب، سواء في الحركة الاقتصادية أو الاجتماعية، فمن الناحية الاقتصادية كانت التجارة مصدر ثروة لعدد كبير من الناس، وأتباعهم، وأتباع أتباعهم، ومن الناحية الاجتماعية ملأت التجارة البيوت بالرقيق من مختلف الأصناف، وتأثير الرقيق في الحالة الاجتماعية لا يخفى، وربطت التجارة بين الأقطار الإسلامية ربطا محكما، وقلما كان يخلو ركب من التجار من أن يصحبهم بعض العلماء يطلبون العلم، وخصوصا الحديث، وحببت التجارة إلى الناس كثرة المغامرات، واكتساب اللذائذ من المخاطرات، وكانوا كلما اجتازوا مخاطرة، واطمأنوا عن لهم أن يبدءوا مخاطرة جديدة، كالذي يصوره لنا «السندباد البحري»، بل إن هذه التجارة كانت تغذي الفقهاء بالمسائل الكثيرة التي تعرض للتجار، ولم تكن معروفة من قبل، كالذي نرى في كتب الفقه من الكلام على السوفتجة، والسلم، والمزارعة، ونحو ذلك.

وكان بعض الأرقاء يأبقون مع ركب التجارة، فكثر قول الفقهاء في إباق العبيد، وهكذا. فأعمال التجار، وما يصادفونه في حياتهم كانت مبعث أسئلة توجه للفقهاء ليبحثوها، ويجيبوا عنها؛ بل تعرضت رحلة التجار لإثارة مسائل تتعلق بالعبادات، فإنهم لما رحلوا إلى الشمال البعيد، ورأوا مدنا تستمر الشمس طالعة فيها أشهرا، وتغيب أشهرا، سألوا عن حكم الصيام في هذه البلاد، وأوقات الصلوات، وهكذا، ولكن مع الأسف لم يتعرض الفقهاء لتاريخ الحوادث التي أثارت هذه الأبحاث، بل تكلموا عنها مجردة عن أي اعتبار آخر، ومن غير ربطها بما كان يحدث، ولذلك كانت جافة، ولو ربطت بهذه الأحداث لكانت لطيفة مستساغة.

وهذه التجارة أشاعت في الناس خلق الاستقلال، وجعلتهم أفضل من العلماء والأدباء الذين لا يجدون رزقهم، إلا من فتات الأمراء، فالتاجر كان ينشأ صغيرا، ويغامر حتى يكسب الكثير، وبعضهم كان يكسب مائة وعشرين ألف دينار، أو أكثر.

هذا هو الكسب المادي، أما الكسب المعنوي فاللذة الحادثة من رؤية بلاد قد يخالف دينها دينه، وتخالف عوائدها عوائده، ولا بأس أن تغرق المركب يوما ببضاعته، فيحمد الله على السلامة، ويبدأ من جديد، وهكذا.

وأما الصناعة ، فقد ازدهرت في هذا العصر، وذلك بفضل تقدم العلوم كما شرحنا، فاستخدموا ما اكتشفوا من العلوم، وما عرفوه من علوم اليونان، وما اقتبسوه من الأمم الأخرى في ترقية صناعتهم، وكانت المدن الكبرى في البلاد الإسلامية تنقسم الصناعات الكبرى، كصناعة المنسوجات، والورق في مصر، وصناعة الورق أيضا في سمرقند، والبسط والسجاجيد في فارس ... إلخ. واشتهرت صناعة النسيج في مصر في تنيس، وكانت تصنع من الكتان والحرير، وكانت الأقمشة التنيسية بيضاء، أما اليمنية فمنقوشة كأزهار الربيع.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٠٦