ورأى المسلمون ان يحوروا الرسوم المحرمة إلى نقوش غير محرمة، كرسوم هندسية ونباتية، وكثر ذلك في الدولة السلجوقية.
ووجدت عمائر كثيرة قد دخل فيها فن الزخرف، وإذا كان القرآن مقدسا مبجلا معظما، دار كثير من الفن حول المصاحف، من كتابة جميلة للمصحف، على ورق جميل، وتجليده بالجلد الفاخر، وتذهيبه وتحليته، كذلك بعث الدين على الإشادة بالحياة الأخرى، فكان من أثر ذلك بناء المقابر، وزخرفتها، وبناء الأضرحة فوقها ... إلخ.
وقد زين المسلمون المحاريب بالنقش بالجص، وكلما أمعنوا في الترف أمعنوا في الزينة الفنية بعد أن كانوا يعيشون في الصدر الأول عيشة بسيطة ساذجة، ووجدناهم يستخدمون الذهب المذاب في طلاء الأواني الخزفية، وفي النحاس؛ ولكن على العموم لم يبلغوا في تزيين المساجد ما بلغه المسيحيون من الأرثوذكس، والكاثوليك في تزيين كنائسهم.
وبعد أن تحرر العرب من المؤثرات الأجنبية، وهضموا فنونها، صار لنقوشهم وعمارتهم طابع خاص، حتى لا يمكن نسبتها لغيرهم، فابتدعوا فنا جديدا.
حتى في التحف الصغيرة كالدواة، والخنجر، ونقوش الغمد، وجلد القرآن، وأصبح لها طابع خاص، غير ما كان عند غيرهم، وليس يضرهم اقتباس فنها من الأمم الأخرى، إنما يضرهم وقوفهم عند تقليدهم المحض، وهو ما لم يفعلوه، فالعرب أنشئوا في سرعة حضارة جديدة، وفنا جديدا، مختلفين عن الحضارات والفنون التي قبلهما، حتى إن الحكام الذين قهروا العرب، وأرغموهم لحكمهم، كالتتار وغيرهم، اعتنقوا دينهم، وأسسوا حضارتهم عليها، وكانت الحضارة الإسلامية، والفنون الإسلامية ذات أثر عظيم في العالم غربية وشرقية، ولا فرق بين أن يكون منشئو الحضارة عربا، أو فرسا، أو مغاربة، فكلها حضارة إسلامية، فليس يعود فضل العرب إلى أنهم نقلوا الفنون والعلوم اليونانية، بل إنهم زادوا عليها من مخترعاتهم ومبتكراتهم.
| هوامش
الفصل الحادي عشر
| التجارة، والصناعة، والزراعة
نشطت الحركة التجارية في القرن الرابع الهجري نشاطا عجيبا، سواء في البر، أو في البحر، وهذا ما وسع أفق الناس الجغرافي، وحسنت سمعة التجار المسلمين في المعاملات، وضرب بهم المثل، حتى النساء اشتركن في هذه الحركة التجارية، فقد ذكروا أنه في بلاد فارس الشمالية كانت حركة البيع في المنازل، وكان اللائي يبعن هن النساء.
وكانت بغداد والإسكندرية تتحكم في الأسواق والأسعار، وكان اليهود مشتهرين ببيع الرقيق، وكانوا يستحضرونه من النواحي الشمالية، ويتاجرون فيه، وكان التجار - على العموم - يركبون الجمال إلى السويس، ويعدون البحر الأحمر، ثم يعبرون الصحراء ثانية إلى جدة، أو يبحرون إلى الخليج الفارسي، والهند، والصين، أو يرحلون إلى أنطاكية، إلى الفرات، إلى بغداد، إلى فارس، واضطرتهم التجارة إلى معرفة لغات كثيرة من فارسية، وإسبانية، وصينية، وكانوا يستحضرون من كل بلد خير ما فيه، ويبيعونه في البلاد الفقيرة إليه، وبعض التجار الكبار كانوا يعملون الحيل في الاتصال بملوك الأقطار، وإنشاء علاقات معهم لتسهيل الشئون التجارية، فيحكى أن بعض التجار المسلمين اتصلوا بملوك الصين، وأن بعض تجار اليونان والفرس اتصلوا بملك سيلان.
ولكثرة الأعمال التجارية، وصعوبة نقل الأموال، وخطورتها عرفوا الحوالات المالية، وسموها «السوفتجة»، وناصر خسرو تسلم صكا من تاجر بأسوان بخمسة آلاف درهم، معنونا بوكيل تاجر في عيذاب ليتسلمه منه، وكان في الصك: «أعط ناصرا كل ما يطلبه، وقيد الحساب عليه».
ويحكي ابن حوقل أنه رأى صكا باثنين وأربعين ألف دينار لتاجر في سدنماسة؛ مما يدل على اهتدائهم إلى المعاملات التجارية بطريق الصكوك، وكان الصرافون والوكلاء يقومون مقام البنوك.
وقد عدت في ذلك الوقت أسماء كثيرة من التجار المشهورين بالغنى، واشتهر كل قطر ببعض السلع، وكان التجار الماهرون ينقلون السلع من مكان إلى مكان، حسب المهارة التجارية، ومن أجل هذه الحركة وجدت أماكن للمبيت والاستراحة في كل مرحلة تجارية، وكانت هذه الأماكن تستخدم لمبيت التجار، ورباطات للمجاهدين، وأمكنة لعمال البريد، وهكذا.