وكان أثاثها من فراش ، ورياش جميلا فخما، يناسب جمال القصور وفخامتها. ويحدثنا ابن بشار عن كأس صورت عليه تصاوير لكسرى، يعلم من هذه التصاوير مقدار ما يوضع في الكأس من الخمر، وما يمزج بها من الماء ... إلخ.
ومن الحق أن نقول: إن الإسلام حارب الأصنام والتماثيل، وأمعن في محاربتها، وشنع على عبادها، وكسر ما كان منها في الكعبة، وكره في التصوير والمصورين، فلم ينم التصوير والتمثيل في الإسلام نموا كافيا، ولكن الطبيعة البشرية، وحبها الشديد للفن، حاولت دائما أن تجد لها منفذا، فرأينا المسلمين يجودون ما شاءوا في الخط، لما حرموا التصوير، وفي الزار والذكر، لما حرموا الرقص، وفي الغناء بالقرآن لما حرموا الغناء، وهكذا.
ولذلك نراهم يصورون الأشجار والحيوانات، ويتحرجون من رسم الأشخاص، وبجانب ذلك اجتهدوا في الفنون الأخرى، كالصياغة، والحرف الأخرى.
ولما دخل الإسلام كثير من المتحضرين من الفرس والروم، وكان لهم ذوق نام في الفنون، ابتدءوا يقلدون ماضيهم القديم في الإسلام الجديد. وفي القرن الرابع ظهرت الصورة المجسمة للحيوانات، ولكنها كانت بعيدة عن الطبيعة. وربما منع المسلمين من التقدم في التصوير الشخصي نهي الإسلام عن التصوير، محافظة على عقيدة الوحدانية المطلقة، والناس لا يزالون حديثي عهد بالوثنية، خصوصا وقد كان منتشرا فيهم عبادة الأبطال والصالحين.
وجاء في الحديث عن عائشة «أن النبي
صلى الله عليه وسلم
لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه».
1
وروى البخاري «أن النبي
صلى الله عليه وسلم
لما رأى الصور التي في البيت، لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط».
وقال النووي: قال أصحابنا، وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد، سواء ما كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو دينار، أو إناء، أو حائط.
وأما تصوير صورة الشجر، وجبال الأرض، وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام، وقال بعضهم: إنما ينهى عن تصوير ما كان له ظل ، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل. وعن عائشة: «أنها نصبت سترا وفيه تصاوير، فدخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فنزعها، قالت: فقطعته وسادتين، فكان يرتفق عليهما»؛ كأنه كان يجيز ذلك إذا امتهن الشيء الذي فيه تصاوير، كأن استخدم في سجادة أو نحوها. وقال رسول الله: «أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه، إلا أنه كان فيه تمثال رجل»، وعن ابن عمر أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».
وإنما كان يباح تصوير الشجر، وما لا نفس له، وفي الحديث أيضا: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تمثال». والغرض من كل هذا الخوف من عبادة التصاوير، والأوثان، والتماثيل، والأبطال والصالحين، خصوصا والناس قريبو عهد بهذه العبادة، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقالوا: إن التحريم على الإطلاق، وقال آخرون: إنه تحريم لعلة، وإذا زالت العلة زال التحريم.
وعلى كل حال، أثر هذا في المسلمين، فامتنعوا إلا قليلا عن تصوير الإنسان والحيوان، وأباحوا تصوير الأشجار، والمناظر الطبيعية، ولذلك نبغوا في فن العمارة، وتفننوا في الجمادات كدواة وأبواب، ومشربيات، ونحو ذلك، ومع ذلك فقد مهر قوم من المسلمين في تصوير الأشخاص والحيوان، كما فعل بعض الفرس، حتى لقد سمعت محاضرة ألقاها بعض المستشرقين عن مصحف فارسي مصور صورت فيه مثلا صورة يوسف وزليخا ... إلخ.
ونما في هذا القرن تطعيم الأدوات والأواني المختلفة مثل: الخزف، والقاشاني، والنحاس، والخشب، بمواد ثمينة كالعاج، والصدف، وتزيينها برسوم مختلفة.