تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كان هذا سببا في سهولة النسخ، وكثرة كتبه.

وساعد أيضا على انتشار الكتابة كثرة الورق، ويسمونه «الكاغد»، فقد كانوا يكتبون على الجلود والقراطيس، والورق الصيني، حتى جاء جعفر بن يحيى البرمكي، فشجع صناعة الورق، وكثر في عصرنا هذا كثرة جعلته رخيصا، فكان يستجلب الورق من مصر، ومن سمرقند، وغيرهما؛ مما مكن العلماء والوراقين من كثرة الكتابة، وحرفة الوراقة كانت منتشرة، إذ كانت تقوم مقام المطابع اليوم، وأحيانا يكون بعض الوراقين علماء، دعاهم الفقر إلى احتراف الوراقة، كياقوت الحموي، وأبي حيان التوحيدي. وكانت حرفة شاقة، تذهب فيها الأعين، وكان مما سبب الخصومة بين الصاحب ابن عباد وأبي حيان التوحيدي أن الصاحب كلفه أن ينسخ له كتبا كثيرة، استكثرها أبو حيان، ولحفظ المحدثين صحة الأحاديث المنسوخة كانوا ينسخون كتب الأحاديث بأنفسهم.

وكان الفقر يضطر بعض الناس إلى احتراف الوراقة على كره منهم، وكان أبو بكر الدقاق يعول والدته وزوجته، وبنتا من الوراقة.

وحكي عن أبي زكريا يحيى بن عدي المتوفى سنة 264ه وهو نصراني على المذهب اليعقوبي أنه نسخ بخطه نسختين من تفسير الطبري، وأنه كان يكتب في اليوم والليلة مائة ورقة، وكان بنيسابور وراق اسمه أبو حاتم، ورق بها خمسين سنة، وهو القائل:

إن الوراقة حرفة مذمومة

محرومة عيشي بها زمن

إن عشت وليس لي أكل

أو مت مت وليس لي كفن

ومن الطريف أن حكى وراق أنه نام ليلة فرأى في المنام كأن القيامة قامت، وحوسب، وأدخل الجنة، فلما دخل الباب استلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وقال: «آه، والله استرحت من النسخ».

| هوامش

الفصل العاشر

| الفن

إن فن كل أمة يتأثر بأمور: (1)

الذوق العام للأمة. (2)

التقليد للأمم المختلفة، خصوصا الأمم التي حكمتها كفرس، أو روم، أو غير ذلك. (3)

الدين الذي تعتنقه الأمة، فبعض الأديان تميل إلى شيء، وتنصرف عن شيء.

وكان العرب في جاهليتهم بدائيين في ثقافتهم، منتقلين في حياتهم، وهذا التنقل والبدائية جعلاهم غير مترفين في حياتهم وأدواتهم، وغير ملتفتين إلى الجمال الفني، فكانت حتى معبوداتهم من اللات والعزى، وغيرهما معبودات بسيطة الشكل، بل قد يعبدون حجرا على طبيعته الأصلية، وما كان عندهم من فن فهو - حتى اسمه - مستعار من الأمم الأخرى، فكلمة نجار، وأسلحة، وصانع مأخوذة من اللغة الآرامية، وكلمة مصحف، وشباك، وسوار، وحداد مأخوذة من اللغة الحبشية، وما ورد من الفن في الشعر فبدائي أيضا، كتشبيه عمرو بن كلثوم في معلقته أرجل امرأة جميلة بأعمدة من الرخام، وصدرها بقطعة من العاج، وحتى لما احتاجوا إلى إصلاح الكعبة، اعتمدوا على أناس من الأمم الأخرى، فقالوا: إنهم اعتمدوا في إصلاحها على نجار رومي صادف أن كان على ظهر سفينة مارة بجدة، ساعده صانع قبطي، فلما جاء الإسلام، وفتح المسلمون البلاد المتحضرة من فرس وروم رأوا ما عندهم من الفنون فتأثروا بها، ودعاهم الترف إلى أن يتذوقوها، ويقلدوها، حتى الشعر تأثر بهذا الفن، كقول رجل في العهد الأموي على ما أظن:

بيضاء باكرها النعيم فصاغها

بلباقة فأدقها وأجلها

وكان من أثر هذه الفتوح، وغنى الدولة الإسلامية، ووضع المسلمين أيديهم على القصور الفخمة، والمعابد العظيمة، والتحف النادرة، أن تحضروا هم أيضا، وأخذوا ينشئون الفنون الجميلة، كالمسجد الأموي، وما فيه من زينة تدل على استعانة الأمويين بغيرهم ممن سبقوهم إلى هذه الفنون، وكالقصور الجميلة التي بناها الخلفاء الأمويون في صحراء الشام، واكتشفت حديثا، فدلت على تقدم كبير في الفن، حتى إذا جاءت الدولة العباسية عظم غناها، وغنم تأثرها بالفن، فبنيت بغداد بناء فنيا، وبنيت فيها القصور الفخمة للخلفاء والأمراء والأعيان.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٠٣