تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر لما كثرت المناظرات والجدل لم تخل المناظرة من نزاع وهجاء وسباب، مما يجب أن تتنزه عنه المساجد، ففكروا في أبنية خاصة تقام فيها هذه المناظرات، وتنتقل إليها حركة التعليم، فكانت المدارس.

نعم، كانت الكتاتيب منتشرة في المدن والقرى حتى من عهد الرسالة؛ ولكن الدراسة العالية هي التي لم يكن لها مدارس خاصة؛ وإنما كانت تقام في الجوامع - كما ذكرنا - إلى هذا العصر، وقد ذكر بعضهم أن أول من بنى مدرسة للعلماء هو نظام الملك في النصف الثاني من القرن الخامس، ولكن ثبت أنه قبل ذلك وجدت مدارس كان من أولها مدارس نيسابور، يقول الحاكم النيسابوري المؤرخ: إن أول مدرسة هي التي بنيت لمعاصري أبو إسحاق الإسفرائيني المتوفى سنة 418ه في نيسابور، وبنيت مدرسة أخرى لابن فورك، ويقولون: إن أبا بكر البستي المتوفى سنة 429ه بنى لأهل العلم مدرسة على باب داره، ووقف عليها جملة من ماله الكثير؛ وكان هذا الرجل من كبار المدرسين والمناظرين بنيسابور، وكان في المجالس الكبيرة يجلس الأستاذ على مقعد مرتفع ليسمع المحاضرين، ثم إن المعيد يعيد كلام الأستاذ حتى يسمعه من كان بعيدا عنه، كل هذا حدث قبل نظام الملك، أما مدرسة نظام الملك قد ضمت الكثيرين من كبار العلماء، كالغزالي وغيره، ويحكي الغزالي أن من أسباب اعتزاله التدريس ما غلب على أهل عصره من حب الجدل والمناظرة، وأنهم لا يقصدون من هذه المناظرة وجه الله والوصول إلى الحق، وإنما يرومون التعاظم، وحب الغلبة، والسيطرة على نظرائهم؛ مما بعثه على هجر المدرسة ، واللجوء إلى التصوف ... ثم تتابعت المدارس على هذا المنوال ...

ومن الخطأ أن نظن أن حالة العلماء في ذلك العصر كحالة عصرنا اليوم، فإن المطبعة في عصرنا قد قلبت الأوضاع، وجعلت العلم ديموقراطيا، وجعلت الشعوب هي التي تكافئ العلماء؛ أما في ذلك العصر فلم تكن مطابع، وإنما الكتاب العظيم ينسخ الوراقون منه عشر نسخ، أو خمسين، أو مائة، لا تسمن ولا تغني من جوع، فلم يكن التأليف مصدر ثروة، إنما مصدر ثروة العلماء والأدباء هو اتصالهم بالخلفاء والأمراء، أما من لم يتصل بهم، وبعد عنهم، فمصيره الفقر، إلا أن يكون ذا ثروة موروثة.

هذا أبو العلاء المعري يعيش طول السنة على ثلاثين دينارا كانت وقفا عليه، وينتدب بعضهم للتعليم الخاص، ولكن هذا لا يجزئ ... فالذين اتصلوا بالخلفاء والأمراء سعدوا واطمأنوا على رزقهم، كابن دريد المتوفى سنة 321ه، إذ أجرى الخليفة المقتدر عليه خمسين دينارا في كل شهر، وسيف الدولة بن حمدان أجرى على الفارابي أربعة دراهم في كل يوم؛ لأنه فيلسوف، أما المتنبي فمنح الآلاف ... ويحكون أن أبا بكر البصري كان يبيع الصبغ بنفسه، أو يعمله في الحانوت ليستطيع أن يتعيش، وكان حانوته مجمع الحفاظ والمحدثين، وأن أبا العباس الخياط الفقيه الشافعي المصري المتوفى سنة 373ه كان واسع المعرفة بالفقه، وكان قوته وكسبه من خياطته، فكان يخيط قميصا في جمعة بدرهم، ودانقين، ينفقها في طعامه وكسوته، وكان هناك عالم آخر في مصر أيضا يقتات مما يبيع من الخلع. ويقول ابن فارس اللغوي المشهور:

إذا كلفت في حاجة مرسلا

وأنت بها كلف مغرم

فأرسل حكيما ولا توصه

وذاك الحكيم هو الدرهم

وكان فقيرا فيقول:

يا ليت لي ألف دينار موجهة

وأن حظي منها فلس فلاس

قالوا: فما لك منها؟ قلت: يخدمني

لها ومن أجلها الحمقى من الناس

على كل حال، فلم يكن من العلماء والأدباء من يستطيع العيش الرغد إلا من موائد الأغنياء، وإلا من كان يتكسب من غير علمه وأدبه كتجارته أو صناعته، ومن عدا ذلك فقير مدقع، خصوصا إذا كان عزيز النفس ، أو لا يحسن الملق كأبي حيان التوحيدي.

وساعد على انتشار العلم ما أدخل على الخط من تحسينات، فقد كان الناس قبل هذا العصر يكتبون الخط الكوفي، وهو خط صعب معقد مؤسس على زوايا قائمة، وكان زيادة على ذلك غامضا، فالألف إذا جاءت حرف مد في وسط الكلمة حذفت ولم تكتب، كالكتاب، تكتب هكذا «الكتب»، حتى جاء ابن مقلة المتوفى سنة 327ه فنقل الخط نقلة جديدة، وغير الخط الكوفي إلى الخط النسخي، ووضع للخط النسخي قاعدة جميلة.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٠٢