تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستطرد أحيانا بالتنبيه على ضعف خلق الطالب، ومعالجته حسبما يراه، ويدلنا أبو حيان أيضا في كتابه «المقابسات» على ما كان يثار في مجلس أبي سليمان من مناظرات، ومجادلات في أنواع المشاكل التي كانت تعرض لهم، وكان يغلب على كل أستاذ ناحيته الخاصة، فتغلب على أبي سليمان الناحية الفقهية، وتغلب على الوزير المهلبي الناحية الفنية والأدبية، وتغلب على الفقهاء الناحية الفقهية، وعلى المحدثين ناحية الحديث، وعلى مجالس الصوفية ناحية التصوف، وهكذا من ثروة زاخرة متنوعة، يصورها لنا «المقابسات »، وما روي في ترجمة الوزير المهلبي، وما يروي من مجالس الصوفية ... إلخ.

وأحيانا يكون العلم بطريق المراسلة، فيشتهر عالم بفن، أو فنون في الأقطار الإسلامية، فتأتيه الرسائل من جميع الأقطار، تسأله في مسائل هامة، في التفسير، أو النحو، أو الفقه، فيجيب الأستاذ بأجوبة مختلفة، كالذي روي لنا عن أسئلة عديدة وردت على السيرافي من ملوك الأقطار، يسأل فيها عن مسائل في النحو، والصرف، والتفسير، وكما روي لنا عن أسئلة وردت من داعي الدعاة من مصر على أبي العلاء المعري، تسأله: لم كان نباتيا، وحرم على نفسه أكل الحيوان، وقد أحله الله؟ ... إلخ. فأسئلة وأجوبة، ومجالس خاصة، وحلقات العلماء في المساجد، وكتاتيب ومكتبات مفتوحة يتلاقى فيها العلماء والطلاب، ويتساءلون ويتجاوبون، كل هذه كونت حركات شديدة عنيفة في نشر العلم، وإخراج عدد كبير من العلماء، وربما لم يساوهم عصر آخر من العصور، ويتصل بذلك ما شاع في هذا العصر، والذي قبله من نمط «الإجازة العلمية»، وربما كان أول من اتبع ذلك المحدثون؛ للدلالة على ثقتهم، وهي أن يجيز ثقة من الثقات لغيره بأن يروي عنه حديثا أو كتابا، ثم يعطيه مستندا كتابيا على ذلك. وتسابق علماء الحديث في أخذ هذه الإجازات عن شيوخهم، فكان الطلبة إذا سمعوا حديثا استكتبوا الشيخ إجازة، وكان الناس ينتهزون فرصة اجتماعهم بالعلماء ليقرءوا عليهم تصانيفهم، أو تصانيف غيرهم، ويفتخرون بأخذ كتابة منه، وكان العلماء قسمين: قسما يتشدد فلا يعطي إجازة إلا من سمع عليه، ووثق به. وقسما متساهلا يجيز كل من أراد الإجازة، ولو لم يسمع منه، حتى كان بعض العلماء قبل وفاته يجيز جميع مسلمي عصره في رواية الأحاديث التي كان يعرفها، وتفننوا في الإجازة حتى جعلوها شعرا، كالذي ورد في ديوان صفي الدين الحلي، واستمر هذا إلى عهد قريب منا، فقد روي أن السلطان عبد الحميد أخذ إجازات في الحديث من المرتضى الزبيري صاحب كتاب «تاج العروس».

وكانت العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه علاقة الأب بابنه، فكان الطالب يخدم أستاذه، وقد سمعنا في عهدنا ممن شاهدناهم ان الطالب يغسل يد أستاذه، بل ويعد له حماره عند ركوبه، ويجري وراء الحمار، فكذلك كانت العلاقة في العصر الذي نؤرخه.

وكثيرا ما كانت تحدث علاقات مصاهرة بين الأستاذ وتلميذه، وربما زاد ذلك الصوفية، فقد طلبوا من المريد أن يكون بين أستاذه كالريشة في مهاب الريح، وفي كتاب «وفيات الأعيان» قصص كثيرة من هذا القبيل.

وقد رووا أن أبا الزناد كان يذهب إلى مسجد المدينة محاطا بتلاميذه كأنه ملك، ويؤخذ من مجموع ما روي أنه لم يكن هناك منهج خاص، بل كان للأستاذ مطلق الحرية يتكلم كما يشاء في أي موضوع شاء.

وكان أكثر المعلمين يعلمون بأجر، وقد رأينا قبل أن المبرد كان يتقاضى أجرا على تعليمه، وأن الزجاج كان يعطيه درهما كل يوم، وربما كان علماء اللغة والنحو أكثر الناس استحلالا للأجر، أما المحدثون فكثيرا ما كانوا يحدثون لوجه الله، وكان الفلاح الذي يعطي ابنه لمعلم يضمن لمعلمه قوته.

على كل حال، انتشرت المجالس على اختلاف أنواعها - في البيوت، وفي المساجد - في الأدب، وفي الفلسفة، وكان بعض الأمراء والوزراء ذا ولع شديد بالعلم ومدارسته؛ فأحيوا هذه العادة وشجعوها، وساعد على انتشارها الخلاف الذي كان بين المذاهب المختلفة من شيعة وسنية، فرأوا أن هذه المجالس تقوم مقام الجرائد اليوم في نشر الدعوة، فما أكثر ما عقد الفاطميون مجالس للدعوة، وما أكثر مما رد عليهم السنيون. مثال ذلك: ما كان من الوزير الفاطمي يعقوب بن كلس، فقد عقد مجلسا للمناظرة في الفقه، والأدب، والشعر، وعلم الكلام، وكان أصله يهوديا، ومثقفا ثقافة واسعة، كثير المال، يصرفه في خدمة العلم، ونشطت حركة المناظرة والجدل حتى وضع لذلك علم سمي علم آداب البحث والمناظرة، وكان يحضر هذه المجالس بعض أهل الأديان الأخرى، فنرى في مجلس أبي سليمان المنطقي يحيى بن عدي النصراني، وغيره من أهل الأديان، ورووا أن يوحنا بن ماسويه كان يعقد مجلسا في بغداد، فيحضره العلماء على اختلاف مذاهبهم من فلاسفة، وأطباء، وأدباء، ومتكلمين، وكان لأبي حامد الإسفرائيني مجلس، قالوا: إنه يحضره ثلاثمائة فقيه، هذا غير مجالس الطرب مما كانت تتداول فيها الخمور، وتتناشد فيها الأشعار، وتغمر بالأزهار، ويستحضر فيها الثلج بكثرة للشراب، كالذي روي عن الوزير المهلبي؛ إذ كان يحضر فيه مثل أبي الفرج الأصفهاني، وابن مسكويه أيام استهتاره وشبابه؛ وغيرهما، وقد ذكرنا قبل ما كان من إخوان الصفاء، وانتشارهم في البلاد، ونصح الرؤساء لأتباعهم أن يعقدوا مجالس خاصة كل أسبوع مرة، أو كل اثني عشر يوما مرة، يتذاكرون فيها شئون العلم، ويتدارسون فيها مراحل الدعوة.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٠١