تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكر المقدسي أنه أحصى في المسجد الجامع بالقاهرة وقت العشاء مائة وعشرين مجلسا من مجالس العلم، وربما كانت هذه المجالس أشبه ما تكون بحلقات الدراسة في الجامع الأزهر لكل شيخ عمود، وكان جامع المنصور ببغداد أشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية، لا يمنع الناس حر ولا برد، حتى حكوا في سنة 314ه أن الهواء برد بردا شديدا ببغداد، وتساقط الثلج، فجلس أبو ذكرة في وسط دجلة على الجليد، وأملى الحديث.

وكان من أكبر العلماء على مذهب داود الظاهري إبراهيم بن محمد نفطويه، وكان يجلس إلى أسطوانة بجامع المنصور، خمسين سنة لم يغير محله منها، وبعض هذه الحلقات كان للفقه، وبعضها للنحو والصرف، وبعضها للغة، وبعضها للتاريخ، قالوا: وكان الفقهاء أكثر العلماء تلاميذ؛ لأن الفقه يؤهل أصحابه لتولي مناصب يتعيشون منها، وكانت أشهر الطرق طريقة الإملاء؛ ولذلك سمي بعض الكتب بالأمالي، كأمالي القالي، وأمالي الزجاج، وأمالي المرتضى.

يجلس الأستاذ وحوله الطلبة فيملي عليهم من علمه، ورووا أن الجبائي المعتزلي أملى مائة ألف ورقة وخمسين، وما رئي ينظر في كتاب، وكان للمشايخ طرق مختلفة، فمنهم من يملي من عقله، وهو الذي يتحكم فيما يمليه، وما لا يمليه، كأمالي القالي، ومنهم من وثق بنفسه لدرجة أنه يترك الدرس للظروف، فالطلبة هم الذين يسألون، وهو يجيب على أسئلتهم، وكان المستملي يكتب أول الدرس: «مجلس أملاه شيخنا فلان، في جامع كذا، يوم كذا».

وشاعت هذه الطريقة في مجالس المتكلمين، فلما جاء القرن الرابع غلبت طريقة ثالثة، وهي قراءة الكتب القديمة وشرحها، فهذا يقرأ كتاب سيبويه، وهذا يقرأ كتابا في تفسير القرآن للفراء، وهذا يقرأ مجموعة من أشعار الهذليين، وهذا يقرأ كتابا في الحديث، وهكذا. ومن طريف ما يروى لنا أن أبا عمرو المطرف ألف كتابا في اللغة اسمه «الياقوت»، قال: إنه ابتدأه يوم الخميس لليلة بقيت من المحرم سنة 326ه، أملاه على الطلبة في جامع المنصور ببغداد ارتجالا من غير كتاب ولا دستور، ومضى في الإملاء مجلسا مجلسا إلى أن انتهى إلى آخره، ثم رأى الزيادة فيه، فزاد أضعاف ما أملى، وكتب هذه الزيادة أحد تلاميذه ، ثم قرأه عليه أبو إسحاق الطبري، وسمعه الناس، ثم زاد فيه بعد ذلك، وقرئ عليه بالزيادة يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 329ه، وفرغ منه في ربيع الثاني سنة 331ه، وأحضر جميع النسخ التي كتبت فقورنت، ثم زاد المؤلف بعد ذلك أشياء أخرى، كتبها محمد بن وهب، ثم جمع الناس، ووعدهم بعرض الكتاب وتقريره، وألا يكون بعدها زيادة.

وعلى الجملة، فقد كانت المساجد والمكتبات والمكاتب هي أمكنة الدراسة.

هذا عدا المجالس الخاصة في بيوت العلماء والوزراء، كمجلس أبي سليمان المنطقي في بيته، والوزير المهلبي في بيته، والوزير ابن سعدان في بيته، يجتمع العلماء أو الأدباء مع رئيسهم، ويفتتح الرئيس المجلس بمسألة حيثما اتفق لغوية أو أدبية، أو نفسية، أو اجتماعية، فيجيب من حضر من العلماء، ثم يتركون الحديث على سجيته يتشعب إلى أن ينتهي المجلس، ويعلمنا أبو حيان في ذلك العصر طريقة أخرى للاستفادة، كالتي اتبعها أبو حيان مع ابن مسكويه، فقد بعث أبو حيان إلى ابن مسكويه بكتاب يشتمل على جملة أسئلة، مما احتار فيها: بعضها لغوي، وبعضها ديني، وبعضها أخلاقي، وبعضها اجتماعي، ووضع هذه الأسئلة في كتاب سماه «الهوامل»، والهوامل: هي الإبل المهملة السائمة، فرد عليه ابن مسكويه بكتاب يجيب فيه على أسئلته سؤالا سؤالا، وسماه: «الشوامل»، كأنه شمل الهوامل وضبطها، فهذه طريقة أيضا في التعليم، تدل على اهتمام المعلمين بأسئلة طلبتهم، وإعداد الأجوبة على أسئلتهم، كالدروس التي تلقى في المسجد، كما يدلنا ابن مسكويه على أنه كان يهتم بهؤلاء الطلبة.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٠٠