تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحكوا أن أبا معشر المنجم المشهور قدم من خراسان يريد الحكمة، وهو لا يحسن كبير شيء من النجوم، فلما وصفت له هذه الخزانة ورآها، هاله أمرها، وأقام بها، وأضرب عن الحج، وتعلم فيها علم النجوم، وقالوا: إن القاضي أبا مطرف الأندلسي جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس، وكان له ستة وراقين ينسخون له دائما، وكان متى علم بكتاب حسن عند أحد من الناس، طلبه ليشتريه منه، وبالغ في ثمنه، وكان لا يعير كتابا من أصوله ألبتة، فإذا سأله أحد ذلك، وألحف عليه، أعطاه للناسخ فنسخه، وقابله، ودفعه إلى المستعير.

فيستفاد من هذا وأمثاله أنه كان هناك مكتبات كثيرة في جميع الأقطار يغشاها الناس، ويتعلمون منها، حتى كان من العادات المأثورة أن كل جامع كبير يكون من مكملاته مكتبة كبيرة.

وإذا نحن علمنا أنه لم يكن في ذلك العصر مطابع، وإنما هناك مؤلفون يؤلفون، ونساخ ينسخون، أدركنا ما يقتضيه عمل مكتبة من الجهد العظيم، والمال الوفير.

ولم تكن المكتبة مقصورة على الكتب، بل كانت أحيانا مجتمعا يجتمع فيه طلاب العلم والعلماء، ويتداولون فيما بينهم المسائل العلمية ... وهذا ما جعل هذا العصر يزخر بالعلم والعلماء.

وكان بجانب هذه المكتبات العامة مكتبات خاصة لكل عالم تشمل على الكتب التي يحتاج إليها، فالغني منهم يطلب من النساخين أن ينسخوا له الكتب التي يريدها؛ والفقير ينسخ بنفسه.

ورووا عن السجستاني المحدث أنه كان له كم واسع، وكم ضيق، فسئل عن ذلك، فقال: «الواسع للكتب، والآخر لا أحتاج إليه».

وروي عن أحد علماء أصبهان الأغنياء، أنه أنفق في شراء كتبه ثلاثمائة ألف درهم، وقالوا: إن أبا يوسف القزويني المعتزلي دخل بغداد، ومعه عشرة جمال عليها كتب، وتفنن بعضهم في تجليد الكتب، وزخرفتها، والعناية بخطها، وأحيانا تحلى بالذهب . ويتنافس رواة الكتب فيما كتبه كبار الخطاطين كابن مقلة، وابن البواب، ومن ذلك الحين ظهرت وقفيات على المكتبات، وعلى من يغشاها من فقراء القراء، كما فعل العزيز بالله الخليفة الفاطمي؛ إذ أجرى ألف دينار كل شهر على جماعة من أهل العلم، والوراقين، والمجلدين.

وكاتب المكتبات على وجه العموم تزود بالحبر والورق، وبعض الأغنياء يتبرع بذلك حسبة لوجه الله، حتى يحكي ابن خلكان أنه في إحدى مدارس نيسابور كان يوجد خمسمائة دواة معدة لمن يريد أن يكتب في المكتبة، ووجدت وثيقة مما ينفق على مكتبة في القاهرة، وهي دار العلم التي انشأها الحاكم بأمر الله، فإذا فيها:

دينار

90

للورق

48

للخازن

15

للفراشين

12

للناظر في الورق، والحبر، والأقلام

12

لمرمة الكتب

12

ثمن ماء

10

حصر

5

لبود للفرش في الشتاء

4

طنافس

1

لمرمة الستارة

أما طرق التعليم، فكانت مختلفة، منها مكاتب، أو كتاتيب للتعليم الابتدائي، وقد عقد ابن خلدون فصلا في تعليم الأطفال، واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه، يستفاد منه أن المشارقة كانوا يبدءون بتعليم القرآن، حتى يرسخ في قلوبهم أول ما يرسخ ويجعلون عماد تعليمهم القرآن والكتابة.

أما أهل الأندلس، فمذهبهم تعليم القرآن والكتابة، ثم يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب، والترسل، وأخذهم بقوانين العربية وحفظها، وتجويد الخط والكتابة، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شدا بعض الشيء في العربية، والشعر، والبصر بهما، فبعد ذلك يعيدون النظر في القرآن ويتفهمونه.

وقد روى ابن خلدون عن أبي بكر بن العربي في رحلته أنه يرى رأيا يذهب فيه إلى البدء في تعليم الحساب، واللغة، والشعر، ثم بعد أن يتقدم في ذلك يبدأ في تعليم القرآن لتكون قراءته لهم على فهم، ثم يقول: «ويا غفلة أهل بلادنا، في أن يؤخذ الصغير بكتاب الله في أول أمره، ويتعب في أمر غيره أهم منه»، ونهى أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك لجودة الفهم والنشاط، ومنها مدارس، ومجالس للتعليم العالي.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٩٩