العنصر الفارسي
لم يهدأ الفرس منذ رأوا الأتراك تحتل مراكزهم في الدولة العباسية وتستبد بالسلطان دونهم، وتقصيهم عن أماكنهم. لقد كان الفرس في العصر العباسي الأول هم عماد الدولة، وبيدهم تصريف شئونها، وكان الخليفة يعتمد عليهم في أهم الأمور، وهم يحتفظون له بمظهر الأبهة والجلالة، ثم ينشرون سلطانهم، فإذا أحس الخليفة منهم استبدادا أوقع بهم، كما فعل الرشيد بالبرامكة، والمأمون بابن سهل، ولكنهم سرعان ما يستردون نفوذهم، فلما جاء الأتراك أبعدوهم عن منزلتهم، وغلبوا على الخليفة دونهم، فانكمش الفرس على حنق، ولعبت بهم العصبية الفارسية، وأخذوا يدسون الدسائس ويدبرون المؤامرات، ويحصنون أنفسهم بالرجال والسلاح، ويرمون إلى اقتطاع البلاد والاستيلاء عليها - وخصوصا بلادهم الفارسية - والاستقلال بها عن خلفاء بغداد، فإذا سنحت لهم فرصة بعد فليستولوا على العراق وعلى الخليفة، وليتسلطوا هم عليه، ويقضوا على سلطة الأتراك، وكذلك كان.
كانت هذه العصبيات تلعب في عقول الفرس والترك، كل يريد الغلبة ويريد القضاء على صاحبه؛ وكانت بغداد ساحة في كثير من الأوقات للقتال بين الديالمة والأتراك، ولعل خير ما يمثل هذا ما روى الصولي في حوادث سنة 323 من أن «مرداويج الفارسي الأصل (أمير الري وطبرستان، ومؤسس الدولة الزيارية) جعل عسكره صنفين: صنف منهم جيل وديلم،
68
وهم خواصه، وأهل بلده الذين فتح بهم الري ونواحيها، ومنهم صنف أتراك وأهل خراسان، ثم استخص نفرا من الأتراك، فوجد الديلم من ذلك، وعاتبوه عليه، فقال: إنما اتخذت الأتراك لأقيكم بهم، وأقدمهم يحاربون بين أيديكم، وأنتم خاصتي وأنا بكم ولكم. فبلغ ذلك الأتراك، فأجمع رأيهم على قتله، فأوصوا الغلمان الصغار الذين في خدمته، ووكدوا عليهم بالتركية أن يفتكوا به، فقتلوه في حمام، وجاءهم الذين واطئوهم على ذلك وأخرجوهم من الدار. وركبوا دوابه وساروا فاضطربوا، فقالوا: نجعل علينا رئيسا. فرضوا ببجكم، وأخذوا من داره مالا عظيما، وآنية فضة وذهب. وكان (أي مرداويج) قد تكبر وتجبر، ووضع التاج على رأسه مكللا بأحسن الحب والياقوت، وجلس على سرير فضة حواليه ذهب، وكان مرصعا بجوهر، وقال: «أنا أرد دولة العجم، وأبطل دولة العرب.»
69
نجح الفرس إلى حد كبير في اقتطاع أجزاء من الدولة والاستيلاء عليها، واستبدادهم بها، وقصر سلطة الخليفة على المظهر الاسمي؛ فمن قديم استولى الطاهرية على خراسان (205-259)، والصفارية على فارس (254-290)، والسامانية على فارس وما وراء النهر(261-389)، والزيارية على جرجان (316-434)، ثم دولة بني بويه الفارسية أيضا (320-447)، فقد استولوا على فارس ثم على العراق، وأخضعوا الخليفة لأمرهم، وأزالوا ولاية الترك عليه، وأقاموا سلطانهم، فكان شأن الخليفة منهم شأنه مع الترك قبلهم، مظهر ولا عمل، ولقب ولا أمر ولا نهي.
والواقع أن سلوك البويهيين الفرس مع الخلفاء لم يكن كسلوك آبائهم الفرس مع الخلفاء في العصر العباسي الأول. لقد كان الأولون من الفرس يأتمرون بأمر الخليفة، ويرعون ولاءهم له وطاعتهم إياه، فلما جاء خلفهم من بني بويه لم يرعوا ولاء ولا قلدوا سلفهم، إنما قلدوا الأتراك في التنكيل بالخليفة والاستهانة به، واستقلوا ضعفه فلم يعلوا شأنه بل زادوه ضعفا.
ففي سنة 334ه سار معز الدولة بن بويه من الأهواز إلى بغداد في خلافة المستكفي فملكها، ومنحه المستكفي إمرة الأمراء، «وأعطاه الطوق والسوار وآلة السلطنة، وعقد له لواء، ولقبه معز الدولة، ولقب أخاه ركن الدولة، ولقب أخاه الآخر عماد الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم على الدينار والدرهم».
70
فما أن استتب أمر معز الدولة ببغداد وقوي أمره حتى حجر على الخليفة المستكفي، وقدر له كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقته.