62
فدرس العربية، وحفظ القرآن، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان ذلك كله وهو في بغداد، ثم خرج إلى طرسوس مرارا، وأخذ الحديث عن كبار المحدثين فيها، «فظهر فضله واشتهر عند الأولياء، وتميز عن الأتراك».
63
فكان في هذا من خير الأتراك، بل كان هو نفسه «شديد الإزراء على الأتراك وأولادهم لما يرتكبونه في أمر الخلفاء، غير راض بذلك، ويستقل عقولهم، ويقول: حرمة الدين عندهم منهوكة».
64
فإذا كانت ثقافة أحمد بن طولون هذه تعد ثقافة ممتازة بين الأتراك، استطعنا أن نستنتج ضيق ثقافة الأتراك عامة في هذا العصر.
ومع هذا فإنا نرى بعض الأتراك من أوائل هذا العصر، وبعده نبغوا في فنون مختلفة على قلة فيهم.
فنرى مثلا «الفتح بن خاقان» التركي قال فيه ابن النديم: «كان في نهاية الذكاء والفطنة وحسن الأدب، وكان من أولاد الملوك، واتخذه المتوكل أخا، وكان يقدمه على جميع أولاده، قتل مع المتوكل ليلة قتل بالسيوف لأربع خلون من شوال سنة 247ه.» وكانت له خزانة كتب لم ير أعظم منها كثرة وحسنا، وكان يحضر داره فصحاء العرب وعلماء الكوفيين والبصريين؛ وروى المبرد شيئا من شعره، وكان يتعشق غلاما له اسمه شاهك، وله فيه أشعار، منها:
أشاهك، ليلي مذ هجرت طويل
وعيني دما بعد الدموع تسيل
وبي منك - والرحمن - ما لا أطيقه
وليس إلى شكوى إليك سبيل
أشاهك لو يجزى المحب بوده
جريت ولكن الوفاء قليل
ويروى له:
وإني وإياها لكالخمر، والفتى
متى يستطع منها الزيادة يزدد
إذا ازددت منها ازددت وجدا بقربها
فكيف احتراسي من هوى متجدد
وقد روي له في كتب الأدب أبيات من هذا القبيل، وجمل ظريفة وأجوبة سديدة تدل على منزلته في الأدب.
65
وهو الذي قدم له الجاحظ رسالته في مدح الأتراك التي تقدم وصفها.
ونبغ من الأتراك أبو نصر الفارابي الفيلسوف الإسلامي الكبير، وأستاذ كل فيلسوف إسلامي بعده، فإنه من فاراب، وهي مدينة من مدن الترك نبغ منها جماعة كثيرة من العلماء. ونبوغ الفارابي من بين الأتراك مفخرة كبيرة لهم، فقد عني بفلسفة أرسطو، وأخرجها للمسلمين في شكل جديد، وكان له فضل على كل من اشتغل بالفلسفة من المسلمين بعده؛ فظهوره من الترك رجح من كفتهم وكانت شائلة، وأثقل ميزانهم وكان خفيفا. وسيأتي بسط لقيمته وفلسفته في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله، وقد مات بدمشق سنة 339ه.
كما نبغ من الأتراك في القرن الرابع إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي أيضا، صاحب كتاب «الصحاح» من أهم كتب اللغة وأصولها، كان إماما في علم اللغة والأدب، كما كان يضرب به المثل في جودة الخط.
أخذ علم العربية عن أشهر علماء العراق، مثل أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، ثم سافر إلى الحجاز يأخذ اللغة عن أهلها بالسماع والمشافهة، وطوف في بلاد ربيعة مضر، وحقق ما يشك فيه مما يرويه العلماء، فيقول مثلا: سألت أعرابيا بنجد من بني تميم، وهو يستقي، وبكرته نخيس، فوضعت إصبعي على النخاس
66
فقلت: ما هذا؟ وأردت أن أتعرف منه الخاء من الحاء، فقال: نخاس بخاء معجمة، فقلت: أليس قال الشاعر:
وبكرة نحاسها نحاس
فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
فلما استكمل دراسته ومشافهته وضع في اللغة كتابه «الصحاح» الذي يعد - بحق - من أسس كتب اللغة.
وكما اجتهد في تصحيح الألفاظ وضبطها كان له الفضل في اختراع الطريقة التي ألف عليها كتابه، وحذا حذوه فيها صاحب «القاموس» و«لسان العرب» وغيرهما من حصر الكلمات في أبواب حسب أواخرها، وتقسيم الأبواب إلى فصول حسب أوائلها، وكانت كتب اللغة قبله ترتب ترتيبا مهوشا، فتذكر الكلمة ثم يذكر مقلوبها، كما فعل صاحب كتاب «العين» «والجمرة»، وقد مات نحو سنة 400ه.
67
وعلى الجملة، فلئن كان أكثر العنصر التركي في المملكة الإسلامية إنما يمتاز بالجندية والخشونة مع ضعف الثقافة؛ فقد نبغ منهم علماء في فروع مختلفة حصلوا ما كان من الثقافة في عصرهم، وابتكروا بعقولهم.