وجاء الإصطخري، وكان معاصرا للمسعودي، فألف كتابا في إحصاء ما في الولايات من أنهار، ومدن، وجبال، وغير ذلك.
وغامر الإدريسي مغامرات خطيرة، واشتهر بخريطته التي تحتوي على منابع النيل، والبحيرات الاستوائية، إلى كثير غيرهم، حتى إن أبا الفداء ذكر أسماء ستين عالما جغرافيا من الذين ظهروا قبله، وأبدع ما كان لهم ربطهم الجغرافيا بالفلك، وهي نظرة كان يظن أنها نظرة حديثة.
الفصل التاسع
| وسائل العلوم
نريد بوسائل العلوم الوساطات التي كانت تتخذ لنشر العلم، وتعين عليه، وأهم ذلك المكتبات، ومناهج الدراسة، والرحلات، والوراقة، والخط، وسنتكلم كلمة عن كل منها.
فأما المكتبات، فإن الدولة الإسلامية لما تقسمت أقساما كثيرة، واستقل كل قسم تنافس أمراء هذه الدول في كل ما من شأنه تجميل دولهم، من الحرف الدقيقة، ونتائج الفنون الجميلة، والشعراء، والعلماء، والفلاسفة، وغير ذلك، حتى إذا ظهرت حرفة جميلة تسابق هؤلاء الأمراء في اقتنائها، وتاريخ المتنبي مثلا يدلنا على هذه المسابقة.
فسيف الدولة يحرص عليه؛ لأنه له بمثابة جريدة اليوم تشيد بذكره، ولما وصل إلى كافور بمصر حرص عليه، ولما وصل إلى عضد الدولة اعتز به، وكان من موضوع هذه المسابقات المكتبات، فكل أمير كان له مكتبة عظيمة يفتخر بها، ويسعى في تنميتها، ويحدثوننا أن الحكم صاحب الأندلس بعث رجالا إلى جميع بلاد الشرق؛ ليشتروا له الكتب عند أول ظهورها، فقالوا: إن فهرس مكتبته كان يتألف من أربعة وعشرين كراسة، كل كراسة عشرون ورقة، ولم يكن في تلك الكراسات إلا أسماء الكتب.
وفي الدولة الفاطمية كان الخليفة العزيز بالله ، المتوفى سنة 386ه يقتني الكتب، ويحفظها في مكتبته، وذكر عنده كتاب «العين» للخليل بن أحمد، فأمر خزان دفاتره فأخرجوا من خزائنه نيفا وثلاثين نسخة؛ منها نسخة بخط المؤلف، وحمل إليه رجل نسخة من تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز الخزان فأخرجوا ما ينيف على عشرين نسخة، منها نسخة بخط الطبري، وذكر عنده كتاب «الجمهرة» لابن دريد، فأخرجوا من الخزانة مائة نسخة.
1
وصف المقدسي خزانة كتب عضد الدولة، فقال: «إنها حجرة على حدة، عليها وكيل، وخازن، ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها، وهي أزج طويل، في صفة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتا طولها قامة، في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضدة على الرفوف، لكل نوع بيوت، وفهرستات، فيها أسامي الكتب، لا يدخلها إلا كل وجيه».
2
ونحن نعلم أن خازن هذه الخزانة كان ابن مسكويه، وهو ما هو في العلم، وسعة الاطلاع.
وكان لسيف الدولة خزانة كتب كبيرة، عليها الخالديان، وهما الشاعران المشهوران.
ويحدثنا المعري في «رسالة الغفران» أنه وهو في بغداد كان يزور مكتبة أردشير، وكان على المكتبة فتاة سوداء تعير الكتب، وتحضرها إلى كثير من أمثال ذلك، وهذا إلى أن كثيرا من الأغنياء والوزراء كانت لهم مكتبات خاصة كابن العميد وزير عضد الدولة، كان له مكتبة، فلما نكب حمد الله كثيرا على أنه بقيت له مكتبته؛ لأنها أهم شيء عنده.
وكان ابن مسكويه في بعض الأوقات خازنا لمكتبته، وكان فيها كل علم، وكل نوع من أنواع الحكم والآداب، يحمل على مائة وقر، وكان كذلك للصاحب بن عباد مكتبة، حتى إنه لما استدعاه السلطان نوح بن منصور الساماني ليوليه وزارته، كان مما اعتذر به أن عنده من كتب العلم ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وكان فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات.
وحكوا أن علي بن يحيى المنجم كان ممن جالس الخلفاء ، وكانت له خزانة كتب عظيمة في ضيعته، وسماها خزانة الحكمة، وكان يقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعلمون، والكتب مبذولة لهم، والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى.