ولما جاء مصر أعجب بالفسطاط، وقال: إنه لم ير في الأمصار آهل منه، وليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه، وقد أعجب بأطعمتها وحلواها، وكثرة بقولها، وفواكهها، ونغمة أهلها بالقرآن، ودهش من كثرة المراكب في النيل، ومن كثرة المصلين في المساجد، ولكن لم تعجبه كثرة البراغيث فيها، وعدم عناية المسلمين بالنظافة، وازدحام مساكنهم بالسكان، وكثرة اختلافهم، وشرب الخمور، وانتشار الفجور، وكثرة السباب، وقال: «إن أهل الشام يعيبون على أهل مصر ثلاثة أشياء: أن مطرهم الندا، وطيرهم الحدا، وكلامهم رخو مثل النسا».
ومن أكثر ما امتاز به التفاته في جميع ما دخله من البلاد إلى اللهجات واللغات والأساليب، واختلاف الأقاليم في استعمال بعض الكلمات في قطر دون آخر.
وحكي عن قصة بعض ملوك خراسان إذ جمع رجالا من خمس كور خراسان، فلما حضروا تكلموا جميعا، فقال عن السجستاني: هذا لسان يصلح للقتال، والنيسابوري يصلح للتقاضي، والماروزي يصلح للوزارة، والبلخي يصلح لكتابة الرسائل، أما لسان هراة فيصلح للكنيف.
ويحكى أن كل بلد تغير أسماء الأعلام على شكل خاص، ففي فارس يقولون بدلا من علي: علكا، ومن حسن: حسكا، ومن أحمد: حمكا، للتلميح، وفي همدان يقولون: بدلا من أحمد: أحمدلا، ومن محمد: محمدلا، ومن عائشة: عشلا. وفي ساوة يقولون في أبي العباس: أبو العباسان، وفي حسن: حسنان، وفي جعفر: جعفران، وهكذا.
وعلى الجملة، فقد كان دقيق الوصف، حسن الالتفات إلى دقائق الأمور، ومن أجل ذلك أفادنا فوائد كثيرة، ونكتفي به عن أمثاله فهو خيرهم.
والعرب منذ اتصلوا بالعالم الخارجي أثبتوا أنهم مرنون قابلون لمسايرة الحضارات المختلفة، وأقلمتها، وأنهم أذكياء ذوو حيوية، وخيال فسيح، وقد كان العرب في هذا العصر في غاية من النشاط، وحسن الرحلات، كونوا علائق تجارية في أقصى الأرض، فكونوا علائق بالصين، وبعض البقاع الروسية، وبعض مجاهل إفريقيا، ولم تمنعهم صعوبة المواصلات، وسوء الاستعدادات من الرحلات إلى أقصى البلاد، فسياحة التاجر سليمان لبلاد الصين، ورحلته من سيراف الواقعة على الخليج الفارسي، وقطعه المحيط الهندي، حتى يبلغ شواطئ الصين معروفة مشهورة، وقد قضى المسعودي خمسا وعشرين سنة من حياته يطوف في أرجاء الأرض، وهو وصاف للآفاق، يصف أحوال الأمم في عهده، ويذكر نحلهم، وعوائدهم، ويصف البلدان، والجبال، والبحار، والممالك، والدول. وجاء ابن حوقل بعد أن تمت رحلات المسعودي، فعمل رحلات أخرى، وقال: «قد عملت كتابي هذا في صفة أشكال الأرض، ومقدارها في الطول والعرض، وأقاليم البلدان، ومحل الغامر منها والعمران، من جميع بلاد الإسلام، بتفصيل مدنها، وتقسيم ما تفرد بالأعمال المجموعة إليها، وقد جلعت لكل قطعة أفردتها تصويرا، وشكلا يحكي موضع ذلك الإقليم، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن والبقاع، وما في أضعافها من المدن والأصقاع، وما لها من القوانين والارتفاع، وما فيها من الأنهار والبحار، وما يشتمل عليه ذلك الإقليم من وجوه الأموال والجبايات، والأعشار والخراجات، والمسافات في الطرقات ... إلخ».
وقد رافق البيروني الذي سبق ذكره السلطان محمود الغزنوي في حملته على الهند، فنشر ما شاهده في بلاد السند، وشمال الهند، وحاول أن يصحح طريقة تلك البلاد، مستندا على حسابه الفلكي، وجاء بعده أبو الحسن، فجاب الأرض من شمال إفريقيا إلى مصر، وعين مواضع واحد وأربعين مركزا تعيينا فلكيا، فهم وإن اتخذوا اليونان والرومان أدلاء لهم في علم الجغرافيا فقد فاقوا أساتذتهم، وزادوا عليهم، وصححوا لبطليموس مواضع المدن الكبيرة التي كانت قد غلط في تعيينها، مع صعوبة التحديد؛ إذ لم يكن عندهم آلات كافية، فلم تزد أغلاطهم على درجتين، بينما بطليموس كان يغلط أحيانا نحو 18 درجة.