وكان المقدسي أعجوبة الأعاجيب، كما يحدثنا هو عن نفسه، دعاه إلى التأليف في الجغرافيا أنه عز عليه أن يرى غيره قد اخترع في العلوم وهو لم يخترع، فاتجه إلى جهة لم يتجهها أحد من قبله، قال: «رأيت أن أقصد علما أغفلوه، وأتفرد بفن لم يذكروه». ويعني بذلك: أن ينص على اختلاف أهل البلدان في كلامهم، وأصواتهم، وألسنتهم، وألوانهم، ومذاهبهم، ومكاييلهم وموازينهم، ونفوذهم، وصفة طعامهم وشرابهم، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم، ومراكز السعة والخصب ، ومواضع الضيق والجدب، وقال: «إن هذا علم لا بد منه للتاجر والمسافر، والملوك والكبراء، والقضاة والفقهاء».
نعم، إن بعضهم سبقه إلى ذلك، ولكنهم قصروا فكتبوا ما سمعوا، ومنهم من اقتصر على المدن المشهورة، ووضع لنفسه خطة: أن يرحل إلى الأقطار الإسلامية، ويشاهدها بنفسه، فإذا دخل بلدة، درسها أتم درس، وعلى حد تعبير: ذاق هواءها، ووزن ماءها، ولقي علماءها، وخدم ملوكها، وجالس القضاة والفقهاء، واختلف إلى الأدباء والقراء، وخالط الزهاد والمتصوفين، وحضر مجالس القصاصين، وتاجر فيها، وعاشر أهلها، ومسح إقليمها، ودار على تخومها، وفتش عن مذاهب سكانها، ودقق النظر في ألسنتهم وألوانهم».
وعلى الجملة، فلم يأل الرجل جهدا أن يحقق أغراضه النبيلة، قال: «ولم أترك شيئا مما يلحق المسافرين، إلا وقد أخذت منه نصيبي، فتفقهت وتأدبت، وتزهدت وتعبدت، وفقهت وأدبت، وخطبت على المنابر، وأذنت على المنائر، وأممت في المساجد، واختلفت إلى المدارس، وتكلمت في المجالس، وأكلت مع الصوفية الهرائس، ومع الخانقائيين الثرائد، ومع النواتي العصائد، وطردت في الليالي من المساجد، وتهت في الصحاري، وسحت في البراري، وصدقت في الورع زمانا، وأكلت الحرام عيانا، وصحبت عباد جبال لبنان، وخالطت حينا السلطان، وملكت العبيد، وحملت على رأسي بالزنبيل، وأشرفت مرارا على الغرق، وقطع على قوافلنا الطرق، وصاحبت في الطرق الفساق، وبعت البضائع في الأسواق، وسجنت في الحبوس، وأخذت على أني جاسوس، وكم نلت العز والرفعة، ودبر في قتلي غير مرة، ورميت بالبدع، واتهمت بالطمع، وذهب لي في هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم، ولم تبق رخصة مذهب إلا وقد استعملتها، وما سرت في جادة، وبيني وبين مدينة عشرة فراسخ، إلا فارقت القافلة، وانفلت إليها لأنظرها، فكم بين من قاسى من الألباب، وبين من صنف كتابه في الرفاهية، ووضعه على السماع؟».
أما ما لم يشاهده، فكان برنامجه فيه كما قال: «أن يسأل ذوي العقول من الناس، ومن لم يعرف بالغفلة والالتباس، وأن يسأل عن الشيء الواحد جماعة مختلفة، فما اتفقوا عليه أخذه، وما اختلفوا فيه نبذه، وما حكوه ولم يقبله عقله أسنده إلى من رواه، أو قال فيه زعموا، وحلاه بالخرائط الملونة. وقد ساح في جزيرة العرب، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب، ثم في بلاد فارس، والسند، والهند، ولخص آراءه في هذه البلاد كلها، فقال: أظرف الأقاليم العراق، وهو أخف على القلب، وأحد للذهن، وبه تكون النفس أطيب، والخاطر أدق، وأغزرها فواكه، وأكثرها علماء، وأجلة المشرق «الدولة السامانية»، وأكثرها صوفا وقزا الديلم «جرجان وطبرستان»، وأجودها ألبانا وأعسالا، وألذها أخبازا، وأمكنها زعفرانا الجبال «إقليم يشمل الري، وهمذان، وأصفهان، وقاشان»، وأسفلها قوما، وشرهم أصلا وفصلا خوزستان، وأحلاها ثمورا، وأوطؤها قوما كرمان، وأكثرها فانيدا، وأغزازا، ومسكا السند، وأكيسها قوما وتجارا فارس، وأشدها حرا وقحطا جزيرة العرب، وأكثرها بركات، وصالحين، وزهادا، ومشاهد الشام، وأكثرها عبادا، وقراء، وأموالا، ومتجرا، وحبوبا مصر.
ولم أر أطمع من أهل مكة، ولا أفقه من أهل يثرب، ولا أعف من أهل بيت المقدس، ولا آدب من أهل هراة، ولا أذهن من أهل الري، ولا أصح موازين من أهل الكوفة، ولا أحسن من أهل حمص، ولا أشرب للخمور من أهل بعلبك ومصر».