تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجغرافيا

في هذا العصر حبب إلى الناس الهجرة من بلادهم، والاطلاع على البلاد الأخرى، شأن الأمم القوية في أيام عزها، أما الأمم الضعيفة فتحب مكانها، وتلتصق بأرضها، ولا تهتم بحياة غير حياتها، وكان يحمل على حب الهجرة شيئان: التجارة، والعلم؛ أما التجارة، فقد راجت في هذا القرن، وقام علماء الرحلات يضعون كتب الدليل لهذه الرحلات، وقامت الحكومات لبناء رباطات ينزل فيها المسافرون، ويتزودون منها، وكانت في أصل وضعها نقطا عسكرية لحفظ الحدود، من أن يتسرب إليها الأعداء، أو نقطا بريدية، ثم أضافوا إليها غرضا آخر، وهو معونة التجار، وكتب الدليل هذه ككتب الدليل اليوم، تبين المسافات بين البلاد، وأخلاق الأمم وعاداتهم، واعتقاداتهم، وما عندهم من أنواع السلع والمصنوعات، والحاصلات الزراعية، وما اعتادوه من مكاييل، ومقاييس، وأوزان، وأسماء المشهورين من الناس في كل قطر.

ومن أحسن ما ألف في هذا العصر كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة أحوال الأقاليم» للبشاري المشهور بالمقدسي، فقد قطع - كما يقول - ألفي فرسخ، وسافر إلى الصين وسرانديب، وككتاب «الأعلاق النفسية» لابن رسته، «والمسالك والممالك» للإصطخري، و«الممالك» للبكري، و«المسالك والممالك» لابن خرداذبة، و«البلدان» لابن الفقيه، إلى غير ذلك.

وأسس المسلمون في أيام عزهم مراكز تجارية يحضر إليها التجار بسلعهم وأموالهم من مختلف الأقطار، وبها السماسرة يبيعون ويشترون في مختلف الأقطار، وكان هناك صيارفة المال، ولهم وكلاء، يصرفون الصكوك، ويحررون الحوالات لوكلائهم في الأقطار الأخرى، وكان من أهم تلك المراكز جاوة، وكانت مركزا للبضائع الصينية، وعدن، وكازرون، والعريش.

وذهبوا إلى بلاد روسيا، وبلغوا كوتاهية، وذهبوا إلى أقصى السودان، وذهبوا إلى التتر لجلب جلود السمور، ووصلوا إلى كانتون، وحيثما وصلوا إلى بلد تعلموا لغتها وعاداتها، ونشروا لغتهم ودينهم، واختلطوا مع أهلها بالزواج.

وحكى لنا المسعودي في تاريخه قصصا كثيرة عن حال هؤلاء الرحالة، كابن وهبان، الذي كان غنيا كبيرا، وتاجرا عظيما، وكان من أهل البصرة، فرحل إلى سيراف، ورحل منها إلى الهند، ومنها إلى بلاد الصين، وأعمل الحيلة حتى قابل ملكها، وقد عاد فحدث أهلها بما رأى، وحث أهله على الرحلات، وتنظيم التجارات، وقد كانت لهم رحلات بحرية كالرحلات البرية، فأنشئوا المراكب الكبيرة للملاحة في البحر الأبيض، وكانت مراكبهم شراعية.

ويحدثوننا أن المركب تحمل بضعة آلاف راكب، وفيها حوانيت للبيع، وكانوا أحيانا يستحضرون أخشاب السفن من البندقية، وفيها غواصون لسد الثقوب من الحبشة، وبحارون لتنظيف السفن، والمحافظة عليها وخدمتها، وفيها الحمام الزاجل لإرسال الأخبار.

وقال المسعودي: إنه قد ركب عدة من البحار، كبحر الصين والروم، وأصابه فيها من الأهوال ما لا يحصى كثرة، فلم يجد أهول من بحر الزنج، وكانت أقصى ما تصل إليه المراكب في هذا البحر موزنبيه.

ومع أهوال البحار والبر تحملوا المشقات، حكى الإدريسي أنه في القرن الرابع «خرج جماعة من مدينة لشبونة، كلهم أبناء عم، وأنشئوا مركبا، وتزودوا فيه، ثم ركبوا بحر الظلمات واقتحموه؛ ليعرفوا ما فيه من الأخبار والعجائب، وليعرفوا إلى أين انتهاؤه، وهم يسمون المغررين».

ويظهر أنهم وصلوا إلى أمريكا؛ لأنها نهاية بحر الظلمات هذا، وهو المحيط الأطلنطي.

وأما العلم، فلم تكن كتب الحديث قد تم تكوينها، فكان العلماء يرحلون إلى الأقطار المختلفة يتلقون الحديث من أهلها، حتى ربما رحلوا المسافات البعيدة لرواية حديث واحد، وكان لا يعتد بعالم محدث أخذ حديثه من الكتب، ويسمونه الصحفي، أي أنه أخذ حديثه عن الصحف، ويفتخر العالم بكثرة مشايخه.

وهذا البيروني أصله خوارزم، وكان أهل بلده يسمونه الغريب؛ لطول غربته، بعد أن مهر في علوم اليونان الرياضية والهندسية، ثم أكب على ما للهند من تلك العلوم، وقارن ما عند الهنود بما عند اليونان، وأبان عيوب هؤلاء وهؤلاء، كما درس حالة الهند الاجتماعية، وألف فيها ... إلخ.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٩٥