تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تيمم أقطار البلاد فتارة

لدى شرقها الأقصى وطورا إلى الغرب

سرى الشمس لا ينفك تقذفه النوى

إلى أفق ناء يقصر بالركب

وفاوضنا أصناف الملوك على تغاير أخلاقهم، وتباين هممهم، وتباعد دارهم».

وهكذا يصف متاعبه في رحلاته، ودقته في أخلاقه، واطلاعه الواسع على ما ألف من قبله، وتعديد كتبه التاريخية والجغرافية.

ويمتاز المسعودي في كتبه بالتفاته الكثير إلى الأمور الاجتماعية، كبحثه في ديانات العرب، وآرائها في الكيمياء، والهواتف، والقيان، والزجر، والسانح، والبارح، ومقارنته بين العجم والعرب إلخ إلخ.

وعند كل ملك يذكر طرفا من أخباره الخاصة، وسيرته الداخلية، وملامحه، وتقاطيع وجهه إلخ؛ مما لا نجد له نظيرا في الكتب الأخرى، فهو مؤرخ مسلح من الوثائق التي تلزم المؤرخ.

وأما مسكويه - أو ابن مسكويه - فلم يعن بالرحلات، كما عني الطبري والمسعودي؛ ولكن نوع معيشته، وتقلباته في حياته، وفارسيته الأصيلة، ودراسته للفلسفة اليونانية، واشتغاله بالكيمياء، ومعاشرته للوزير المهلبي، ومخالطته لعضد الدولة، وابن العميد، وما حصل له من أزمات سياسية؛ كل ذلك جعل منه رجلا مجربا حقا، وقد خلف لنا من ذلك كتابه «تجارب الأمم»، يقصد منه إلى أن ما جرى على الأمم التي قبلنا، والملوك، والناس عبارة عن درس وعظ وإرشاد؛ ولذلك يلتفت إلى ما لا يلتفت إليه غيره، ويقف عند أمير صغير قد يكون منه درس كبير؛ كالذي يحكي لنا أن الأتراك كانوا يتعمدون أن يتخيروا من الخلفاء العباسيين حديثي السن، أو من فيهم بله وغفلة، أو من يعكفون على الملاهي، ثم يتعمدون ألا يطلعوه على كتاب جدي؛ حتى لا يحاسبهم على أعمالهم، ونحو ذلك من طرف لطيفة.

ولذلك كان له منحى خاص غير منحى الطبري والمسعودي، والقارئ له يستفيد منه فوائد كثيرة .

وكان ذا شغف بالأمور السياسية والاجتماعية، ومن آثاره التي وصلت إلينا كتاب «جاويدان خرد»، ومعناه العقل الأزلي، وهو كتاب ألفه العلماء القدماء بالفارسية، يشتمل على حكم وآداب، عني به مسكويه، فأتم ترجمته التي بدأ بها الحسن بن سهل، ولخصه.

وقد أعجب به لأن فيه نظرات دقيقة في السياسة والاجتماع، كتوصية أحد ملوك الفرس لولده، وللملوك من خلفه: «أخرج الطمع عن قلبك تحل القيد من رجلك، الظالم نادم وإن مدحه قومه، والمظلوم سالم وإن ذمه، والمقتنع غني وإن جاع وعري، والحريص فقير وإن ملك الدنيا، من ظلم من الملوك فقد خرج من كرم الملك والحرية، وصار إلى دناءة الشره والنقيصة، والشبه بالعبيد والرعية، استظهرعلى من دونك بالفضل، وعلى نظرائك بالإنصاف، وعلى من فوقك بالإجلال، يقول المسيح - عليه السلام: بماذا نفع امرؤ نفسه؟ باعها بجمع ما في الدنيا، ثم ترك ما باعها به ميراثا لغيره».

وقد اختار فيه: حكما للفرس، وحكما لليونان، وحكما للعرب، إلى غير ذلك، فالظاهر أن مسكويه كان شغوفا بالفضائل، شديد البحث عن خفايا السياسة، يرى أنه محتاج إلى ذلك لمعونة من حوله من الملوك والوزراء، وليكمل نفسه إذا كان يريد أن يحلي نفسه بكل فضيلة يعرفها، ولا أظن ابن حيان وقد ذمه إلا حاقدا عليه؛ إذ كان يرى نفسه عالما فاضلا، وهو مع ذلك محروم حتى من الرزق الضروري، فهو ينقم على كل من ناله خير، وخصوصا إذا كان من ينقم عليه دونه علما.

على كل حال، إن التاريخ وإن تقدم في هذا العصر، فقد كان لا يزال فيه عيبان كبيران:

الأول:

سيره في الأكثر حسب السنين لا حسب الموضوع.

الثاني:

الاعتماد على الجزئيات لا على الكليات؛ يضاف إلى ذلك أنه كان في نظرهم سير الحروب والملوك والانتصارات، أهم من سير الشعوب والحياة الاجتماعية؛ ولذلك يتعب المؤرخ الحديث كثيرا إذا أراد أن يؤرخ مسألة اجتماعية، فهو مضطر أن يغربل كثيرا ليعثر في آخر أمره على درر.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٩٤