تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو جريء في قول الحق، يتعرض لذكر أشياء قد لايرضى عنها العباسيون أنفسهم، وهم الخلفاء ذوو السلطة، وإن أخذنا عليه شيئا فهو أنه يكثر من ذكر الحروب، والوقائع الحربية، وسير الخلفاء، ولا يعرض إلا لماما لذكر الأحاديث الاجتماعية، والمسائل الاقتصادية.

وقد طمح كثير قبله إلى كتاب في التاريخ العام، ولكن ذلك لم يتسن لأحد غير الطبري، فقد ألف بعضهم كتبا في التاريخ الخاص، كما فعل وهب بن منبه في تاريخ اليمن، وكما فعل حمزة الأصفهاني في تاريخ الفرس، وكما فعل بعضهم في تاريخ السيرة النبوية، وكما فعلوا في تاريخ قبائل العرب فيما سموه «الأيام».

أما التأليف في التاريخ العام، فلم يقدر أحد عليه، وجرد الطبري نفسه لذلك، فنظر إلى التاريخ نظرة عامة منذ الخليقة إلى آخر حياته، وقد ساعده على ذلك ما كتبه محمد بن إسحاق؛ فكان واسع العلم بالسيرة، وبالمغازي، واعتمد في كثير من أقواله على كثير من العبريين كوهب بن منبه، كما اعتمد على السيرة التي وضعها أبان بن عثمان بن عفان، وعاصم بن عمر بن قتادة، وابن شهاب الزهري، وغيرهم، كما ساعده وجوده في العراق، وكانت الثقافة فيه واسعة، وكان لعلماء الحديث فضل كبير في تدوين الأحاديث المتعلقة بالمغازي والسيرة. وكان لابن شهاب الزهري الفضل في المقارنة والتوفيق بينهما، ووضعها في نسق واحد.

وقد غلبت على الطبري طريقة المحدثين، فهو يروي الحادثة عن جملة من الرواة، ويترك للقارئ اختيار أحسن الآراء كما فعل في التفسير، وكان ممن أخذ عنهم الإمام الشافعي؛ نقل عنه بواسطة تلاميذه كيونس بن عبد الأعلى المصري المتوفى سنة 264ه.

وهذه الطريقة التي اتبعها الطبري في التاريخ بالرواية عن مالك بن أنس، كما روى عن الأوزاعي هي نفس الطريقة التي اتبعها في التفسير، وأخذ فقه الشافعي عن الربيع بن سليمان المرادي المصري المتوفى سنة 270ه، كما أخذ فقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه من كبار رجال المذهب كالحسن بن زياد اللؤلؤي، وكما اعتمد في كتابة التاريخ على الصحف، والمؤلفات قبله، اعتمد أيضا على الروايات التي أخذها عن شيوخه، وخصوصا في السنين الأخيرة من كتابه، فيقول مثلا: ذكر لي بعض أصحابي، أو ذكر لي جماعة من أصحابنا، أو أخبرني جماعة من أهل الخبرة، أو ذكر هذه القصة بعض أصحابنا عمن حدثه أنه حضر.

وإذا ذكر روايات كثيرة عن حادثة أتبعها بمثل قوله: قال أبو جعفر: «واختلف السلف من أهل العلم فيه - ذكر من قال ذلك - فقال بعضهم ... وقال آخرون ... وأحيانا يقول: والصحيح عندنا ذلك ... أو: وأنا أشك في ذلك»، وإذ كان الطبري محدثا وفقيها، فقد أثر ذلك في كتابه.

وأما المسعودي، فكان ذا منحى آخر يغاير منحى الطبري، ولكل فضل، فألف لنا المسعودي كتابي «مروج الذهب»، و«التنبيه والإشراف»، وضاعت له كتب كثيرة، وهو ليس مؤرخا فقط؛ بل هو مؤرخ وجغرافي معا، فهو رحالة سائح، ولد في بغداد من عائلة عربية، ورحل وهو شاب إلى فارس، ثم إلى الهند، وزار «ملتان»، والمنصورة، وصحب بعض التجار في سفرهم في بحر الصين، ورجع إلى زنجبار، ثم رجع إلى عمان، ثم سافر إلى قزوين، وطبريا، وفلسطين، ثم زار أنطاكيا، وساح في بعض بلاد سورية، ثم عاد إلى البصرة، ثم عاد إلى سوريا، ورئي بعد ذلك في الفسطاط، وهكذا كان لا يستريح من الأسفار.

ولم تكن أسفاره للنزهة؛ بل كانت لمعرفة الأقطار وأخبارها، وإذا قارنا بينه وبين المقدسي والبيروني وجدناهما أدق وأعمق.

ويدل كتابه على معرفة واسعة باللغة، والعادات، والتقاليد، والأدب، والأخلاق، والسياسة، يقول في أول كتابه «مروج الذهب»: «إننا صنفنا كتابنا في أخبار الزمان، وقدمنا القول فيه في هيئة الأرض، ومدنها، وعجائبها، وبحارها، وأغوارها، وجبالها، وأنهارها، وبدائع معادنها ... ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة، والأمم الدائرة ... ثم أتبعناه بكتابنا الأوسط في الأخبار على التاريخ، ومن درج في السنين الماضية ... ونعتذر من تقصير إن كان، ونتنصل من إغفال، أو عرض لما قد شاب خواطرنا، وغمر قلوبنا من تقاذف الأسفار، وقطع القفار، تارة على متن البحر، وتارة على ظهر البر، مستعملين بدائع الأمم بالمشاهدة، عارفين خواص الأقاليم بالمعاينة، فتارة بأقصى خراسان، وتارة بأواسط أرمينيا، وأذربيجان، وطورا بالعراق، وطورا بالشام، فسيري في الآفاق سرى الشمس في الإشراق كما قال بعضهم:

ظهر الإسلام · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٩٣