تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تخلو كتب التاريخ من تملق للخلفاء المعاصرين، ففي الدولة العباسية تملق المؤرخون للعباسيين، وبالغوا في عظمة عبد الله بن عباس وهكذا، روى أبو إسحاق الصابي «أن عضد الدولة بن بويه أمره أن يؤلف له كتابا في أخبار الدولة الديلمية، فألف له تاريخا سماه «التاجي»، فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه صديق له، فسأله عما يعمله، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها».

وإذا كان المؤرخ ذا مذهب ديني معروف ظهر ذلك في تاريخه، كما فعل صاحب الفخري في كتابه، إذ كان شيعيا، وإذا كان سنيا تحامل على الشيعة، والعكس؛ اللهم إلا القليل النادر الذي يحكمه الدين والضمير، كالبلاذري والطبري.

ثم كثير من هؤلاء المؤرخين يؤخذ عليهم عدم تحرجهم من الألفاظ البذيئة، والأقوال الجارحة إلا القليل منهم كابن خلكان.

وفي هذا العصر تقدم التاريخ، وأصبح له منهج مرسوم بعد أن كان خبرا هنا وخبرا هناك، والمؤرخون في هذا العصر كثيرون، نكتفي منهم بثلاثة عظام: محمد بن جرير الطبري، والمسعودي، ومسكويه، وكلهم كتبوا حسب السنين، لا حسب الموضوع، فإذا حدثت جملة حوادث مختلفة في أماكن مختلفة، كان الذي يجمع بينها سنة حدوثها، لا موضوعها، وهو من غير شك نظر بدائي، مرت به الأمم المختلفة من شرقية وغربية.

فأما ابن جرير، فقد مضت ترجمته كمفسر، ونتعرض له الآن كمؤرخ، ولد في آمل، إحدى قرى طبرستان، وبدأ دراسته مبكرا، حتى قالوا: إنه حفظ القرآن وهو ابن سبع، ثم بعد أن تعلم على أبيه رحل إلى الري، ثم إلى بغداد.

وكان ينوي الأخذ عن أحمد بن حنبل، لولا أن ابن حنبل مات قبل وصوله إلى بغداد، وعزم على السفر إلى مصر، ولكن عرج في طريقه على إحدى بلاد الشام، ودرس بها الحديث، ثم سافر بعد ذلك إلى مصر، ثم رجع إلى بغداد.

والحق إنه كان مثقفا ثقافة واسعة وعميقة، هو في التفسير حجة، وفي التاريخ حجة، وفي الفقه حجة، وهو مع علمه الواسع قوي الخلق، لا يحيد عن قول ما يعتقده حقا، ولو رجم بالحجارة، ولو تألب الناس عليه جميعا.

والإنسان يعجب من برنامج تفسيره الذي يبلغ ثلاثين جزءا، وتاريخه الذي يبلغ ثلاثة عشر جزءا: كيف وجد الزمن، وكيف استطاع التأليف، ولكن يفسر ذلك حبه الأصيل للعلم، وعزوفه عن الدنيا ومباهجها، وهو يرفض وظيفة تعرض عليه، ومالا يقدم له، وحتى الشعر كان فيه أدبيا كبيرا، وكان - كما قالوا - نحويا صرفيا رياضيا، دارسا للطب.

ولم يقبل عقله الواسع أن يتبع مذهبا معينا، فاجتهد أن يكون له مذهب خاص، ولو عادى فقهاء المذاهب الأخرى، وخصوصا الحنابلة.

جمع الطبري مواده من الأحاديث، وأقوال من قبله من المؤرخين، مع التحري الشديد لصدق ما يجمع، وقد مكنته فارسيته الأصلية من أن يطلع اطلاعا واسعا على أخبار الأمم.

نعم، إن كثيرا من تاريخ الأمم القديمة ليس إلا خرافات وأوهاما، ولكن عذره في ذلك أن هذا هو ما كان معدودا في وقته، وليس له من الوثائق ما يستطيع أن يذكر به التاريخ الصحيح، وقد وصل إلينا كتابه «تاريخ الرسل والملوك»، فقد قالوا: إنه كان طويلا، ولكنه رأى الناس لا يصبرون على قراءته، فاختصره في هذا الذي بين أيدينا، وقد وصله إلى آخر حياته سنة 310ه، وهو أحسن ما يكون إذا تعرض لتاريخ الفرس، وتاريخ الإسلام؛ لأن المواد عنده غزيرة، ثم أكمله بعض تلاميذه.

والطبري يروي عن الحادثة الواحدة آراء كثيرة فيها، متأثرا بمنهجه التفسيري، فهو في كل آية ينقل آراء الصحابة والتابعين فيها، ولكنه كان ذا رأي ناضج، فهو يستطيع أن يرجح بعض الآراء على بعض، وقد عني الناس بتاريخه كثيرا، حتى ليكاد يكون عماد كل مؤرخ بعده، ودليل العناية به أنه ترجم من قديم إلى اللغة الفارسية، ووضع له ذيول مختلفة. وله كتاب آخر في تاريخ الرجال الذين ورد ذكرهم في أحاديثه، وكما اعتمد على كتب من قبله، اعتمد أيضا على الأحاديث الشفوية من الناس الذين يوثق بهم كأبي محنف، وعمر بن شبة، وسيف بن عمر، وابن طيفور، وغيرهم. ويظهر أنه بعد جمعه هذه الوثائق والأخبار رتبها وألفها، وكتابه هذا مع أنه تاريخي في أصله، فالقارئ له يقف على ثروة كبيرة في الأدب؛ لأنه في حكايته للروايات المختلفة يقصها في لغة رصينة، بليغة، غاية في القوة.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٩٢