تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعرف العرب تركيب النار اليونانية واستخدموها، وقذفوا بها في شتى الطرق، وألقوا بها الرعب في قلوب الصليبيين، وربما كانوا هم مخترعي البارود، كما قال ذلك كثير من المستشرقين.

فقد ذكر بعض المؤرخين أن أول معركة استعمل فيها البارود كانت على يد الأمير يعقوب حين حاصر مدينة المهدية سنة 1205م. قالوا: «فضرب أسوارها بمختلف الآلات والقنابل، وضربها بآلات لم يرها الناس من قبل، فكانت كل واحدة منها ترمي قذائف كبيرة من الحجارة، وقنابل من الحديد، وتسقط في وسط المدينة»، وقد روي أن بعض الإنجليز شاهد ذلك، فنقل هذا الاختراع إلى بلادهم فورا.

هذا إلى كتب العرب الكثيرة في النباتات، وفي المعادن، واستخدموا النباتات في الطب، وزرعوا النباتات الطبية، وترجمت اكثر كتب الرازي إلى اللغة اللاتينية، وكانت كتبه مع كتب ابن سينا أساسا للتدريس في الجامعات الأوروبية، واشتهر أبو القاسم القرطبي بالجراحة، ووصف عملية سحق الحصاة في المثانة وإخراجها.

وأنشأ العرب في ذلك العصر وقبله كثيرا من المارستانات، واكتشف الأطباء كثيرا من النباتات التي في بلادهم لم يكن يعرفها اليونان، وعرفوا الكاويات والفتائل، والبنج الذي سموه «المرقد»، وقالوا: «إن هناك عمليات جراحية، تحتاج لتنويم المريض؛ حتى يفقد وعيه وحواسه».

وعلى الجملة، فقد مهر العرب في العلوم من حساب وجبر وهندسة، وفلك، وميكانيكا، وأخذوا علوم اليونان والهنود، ودلتهم تجربة حياتهم الخاصة على اكتشاف أشياء لم تكن معروفة عند اليونان، وقد اعترف كثير من المستشرقين العدول بابتكاراتهم أشياء كثيرة، لم يعرفها اليونان ولا الهنود؛ أما الذين غمطوهم حقهم فقد حملهم على ذلك تعصبهم ضدهم.

ثم أصاب العلماء من بعد، ما أصاب الأدب، فلم ينبغ بعد هذا القرن إلا القليل النادر، مثل: الطوسي الذي مهر في الفلك، وشهر بالرصد، وإدخاله بعض الأعمال الهندسية التي لم تعرف من قبله، وأوضح الطوسي كثيرا من النظريات الفلكية، وأصلح كتاب المجسطي، وحرره، وكتاب «الأكر»، ومثل ابن الهائم الذي اشتهر بالرياضيات، وشاع اسمه في مصر والشام، وألف في الجبر، وفي ضرب أعداد خاصة في أعداد أخرى، من غير إجراء عمليات الضرب، كقوله: «إن كل عدد يضرب في خمسة عشر أو مائة وخمسين، أو ألف وخمسمائة، يضاف عليه مثل نصفه، ويضرب حاصل الجمع في عشرة في الأول، ومائة في الثاني، وألف في الثالث». وقد بعثهم على المهارة في الرياضة حل مسائل معقدة في الميراث، ومهارتهم في الفلك حاجة الامراء إلى الرصد، عدا ما يجد الرياضي والفلكي من اللذة الذاتية، فالقول بأن العرب لم يخرجوا عما رسمه لهم اليونان والهنود والفرس قول جائر، والله لم يعقم العقل العربي، ولم يقصر الإنتاج على العقل اليوناني أو الهندي؛ بل جعل الأمر مشتركا كخيرات البلاد، وجمال أهلها، وحسن مقدرتها.

غاية الأمر، أن الخلف لم يحسن استخدام ما تركه السلف؛ إنما أحسنه الغربيون فكانوا ينقبون عن كتب العرب، ويترجمها من أتقن العربية، ويبنون عليها كما اعترف بذلك كثير ممن استفاد منهم، ولما جاءت النهضة الحديثة، اقتبسنا منها على أنها من صنع الأوروبيين، وأن آباءنا لا دخل لهم فيها، وهكذا الشأن في كل نوع من الثقافة.

| هوامش

الفصل الثامن

| التاريخ والجغرافيا

التاريخ

من قديم والعرب تعنى بالتاريخ، لا تاريخها وحدها؛ بل بتاريخ الأمم قبلها، فيحدثوننا أنهم كانوا يقرءون أخبار الفرس، وبعد مجيء الإسلام شجع ما في القرآن من قصص على تتبع ما في القرآن من قصص الأنبياء، كآدم ونوح - عليهما السلام - كما أن القرآن روى أحاديث كثيرة تاريخية، كقصة حرب الفرس مع الروم، فاشتاقت نفوسهم للتوسع في فهم هذه الآيات، وقد اتجهوا في التاريخ إلى جمع الأخبار، فحققوا الأماكن والأحوال التي كتبت بها الآيات، أو قيلت فيها الأحاديث، وحملتهم أيضا مسألة ضرب الخراج على البلاد، واختلاف المؤرخين في شأنها: هل فتحت عنوة أو صلحا، كما فعل البلاذري المتوفى سنة 279ه، وعني الخلفاء برواية تواريخ الملوك في الأمم المختلفة، وعدوا قراءتها عظة، واكتساب تجربة، وشاع بين الناس «علم الملوك والنسب والخبر، وعلم أصحاب الحروب، وكتب الأيام والسير، وعلم الكتاب والحساب»؛ وإذ كانوا يرون أن التاريخ يفيد الفطنة، وحسن التجربة، حكى صاحب كتاب «تجارب الأمم» أن الخليفة المكتفي طلب من وزيره كتبا يلهو بها، ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك، وعرضه عليه، قبل حمله إلى الخليفة، فجاءوه ببعض الكتب، وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة من وقائع الملوك، وأخبار الوزراء، ومعرفة التحيل في استخراج الأموال، فلما رآها الوزير غضب، وقال: لنوابه: «والله إنكم أشد الناس عداوة لي، أنا قلت لكم: حصلوا له كتبا يلهو بها، ويشتغل بها عني وعن غيري، فقد حصلتم له ما يعرفه مصارع الوزراء، ويوجد له الطريق إلى استخراج الأموال، ويعرفه خراب البلاد من عمارتها. ردوها، وحصلوا له كتبا فيها حكايات تلهيه، وأشعار تطربه».

ظهر الإسلام · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٩١