تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر لي أنه هو الذي أورده أبو حيان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، وأن أبا الوفاء طلب منه أن يؤلف له كتابا يذكر له فيه ما دار بينه وبين ابن سعدون من أحاديث وسمر؛ فألفه له.

واشتهر في أوائل القرن الرابع أيضا الخازن، وهو محمد بن حسن أبو جعفر. ويقولون: إنه أول من حول المعادلات التكعيبية بواسطة قطوع المخروط، وله بحوث كثيرة في المثلثات.

واشتهر في هذا العصر أبو عبد الله البتاني في الفلك والرياضيات، وكان من أقدر علماء الرصد، ولد في بتان من ناحية حران سنة 240ه، وتوفي سنة 317ه، وكان له باع طويل في الهندسة، وهيئة الأفلاك، وحساب النجوم، وله مؤلفات عدة أهمها زيجه المسمى «زيج الصابي»، وهو أصح الأزياج، وقد ترجم إلى اللاتينية، وطبع بروما سنة 1799م، وفيه بعض صور قيمة.

2

وأما الخازن، فقد غمر، ولم يعرف كثيرا؛ لأنه اختلط اسمه بابن الهيثم لقرب التشابه بين اسميهما بالحروف اللاتينية، فاسم الأول: الهازم، واسم الثاني: الكازن.

واشتهر أيضا في العلم أمية بن أبي الصلت، كما اشتهر بالشعر، وقد حكى عنه ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» شيئا كنا نظنه من أفكار العصر الحديث، وهي فكرة رفع المراكب الغارقة من قعر البحار، فقد حكى عنه أن مركبا مملوءا بالنحاس غرق قريبا من الإسكندرية، فعزم أبو الصلت على رفعه، فاجتمع بالأفضل أمير الجيوش - ملك الإسكندرية - وباحثه بما جال في خاطره، وطلب منه أن يهيئ له ما أراد، فأحضر الأفضل لأبي الصلت الآلات اللازمة، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم، هي موازاة المركب الذي غرق، وأرسى إليه حبالا مبرومة من الإبريسم؛ إذ لم تكن الحبال القوية المصنوعة من الأسلاك المعدنية معروفة، فأمر قوما لهم خبرة في البحر أن يغوصوا، ويوثقوا ربط الحبال بالمركب الغارق، وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية؛ لرفع الأثقال في المركب الذي هم فيه، وأمر الجماعة بما يفعلونه في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك، والحبال ترتفع إليهم أولا فأولا، وتنطوي على دواليب بين أيديهم، حتى بان لهم المركب الذي كان قد غرق، وارتفع إلى قريب من سطح الماء، ثم عند ذلك انقطعت الحبال، وهبط راجعا إلى قعر البحر، ولقد تلطف أبو الصلت جدا فيما صنعه، وفي التحيل لرفع المركب، إلا أن القدر لم يساعده، وحنق عليه الملك لما غرقه من الآلات، وأمر بحبسه، وبقي في الاعتقال إلى أن شفع فيه بعض الأعيان، فأطلق، وكان إلى علمه شاعرا رقيقا، شعر في الهيئة التي مهر فيها.

كذلك اشتهر في الرياضيات عمر الخيام الأديب المعروف، وقد انعزل عن الناس، وانعكف على البحث بالدراسة، وألف في الجبر والفلك، واستعمل كثيرا من المعادلات التي لم تكن معروفة من قبل، وربط بين الجبر والهندسة، وقسم المعادلات إلى أقسام متنوعة، وحصرها.

ووجد في كتب الخيام قانون لحل المعادلة ذات الدرجة الثانية، وله براعة أيضا في الفلك، حتى إن السلطان ملك شاه دعاه لمساعدته في تعديل التقويم السنوي.

ومما ساعد العرب على التوسع في العلوم أنهم حينما فتحوا بلاد فارس والشام، رأوا فيها خزائن من العلوم اليونانية، قد نقلت إلى اللغة السريانية، فنقلوها إلى اللغة العربية، وخاصة ما لم يكن نقل من قبل، ثم أخذوا يدرسونها، وساروا بها إلى الأمام، بل لم يكتفوا بالنقل عن السريانية، فتعلم بعضهم اللغة اليونانية، والدليل على ذلك المعاجم للغة اليونانية والعربية.

وكانوا في كل مدينة كبيرة يحلونها ينشئون فيها المكتبات والمختبرات والآلات، وزادوا على العلوم اليونانية تجاربهم الشخصية من استخراج المجهول من المعلوم، والعلل من المعلول، وعدم التسليم لما لا يثبت من غير تجربة، كما نجد ذلك من قديم في كتاب «الحيوان» للجاحظ، فهو يخطئ أرسطو في مسائل كثيرة، وربما فضل عليه عربيا بدويا.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٩٠