تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

وقد علل عمله هذا في كتابه بأنه يريد إعزاز الإسلام، وإذلال الكفر، وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين ، والخزي في الدنيا والآخرة على الكافرين، وقال علي بن الجهم في ذلك:

العسليات التي فرقت

بين ذوي الرشدة والغي

وما على العاقل إن يكثروا

فإنه أكثر للفي

59

نعم، ربما كان هذا نتيجة لسوء العلاقة بين المسلمين والروم، ومهاجمة الروم لبلاد المسلمين من حين لحين، ولكن مهما كان الأمر فهي حالة سيئة تدل على ضيق العقل، ومخالفته للنظر الواسع الحكيم الذي أمر به الإسلام، ونفذه خلفاء المسلمين الأولون، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب في حكمة ورفق! وكان هذا أيضا مما أفسد قلوب عدد كبير من الرعية كان يستخدم من قبل في مصلحة الدولة، وحرك عددا منهم للثورة، كثورة نصارى أرمينية على محمد بن يوسف عامل المتوكل على أرمينية وأذربيجان، وقتلهم إياه

60

ونحو ذلك.

وقد أراد بعض من أتى بعد المتوكل من الخلفاء أن يزيلوا هذه المظاهر أو بعضها، كالذي فعل المنتصر، فقد أراد أن يعيد الاعتزال إلى سلطانه، وأراد أن يحسن صلته بالبيت العلوي، ولكن لم تطل مدته، ولم يمكنه الزمان ولا حالة الناس من تنفيذ ما أراد.

لم يكن لهذا النوع من الأتراك مدنية وحضارة قديمة؛ إذ كانوا بدوا أو أشبه بالبدو، فلم يكن شأنهم عندما اندمجوا في المملكة الإسلامية شأن الفرس؛ فالفرس عندما فتحت بلادهم، وأسلم كثير منهم واندمجوا في المملكة الإسلامية، أعطوا وأخذوا، وانتفع بهم المسلمون من ناحية الثقافة: بمثل الكتب التي نقلت من الفارسية إلى العربية، ومثل الألفاظ الفارسية التي نقلت إلى العربية، ومثل نظم الحكم التي أتقنوها في مملكتهم، إلى غير ذلك مما شرحناه قبل، كما أخذوا هم عن العرب اللغة والدين، وكان من الفرس رجال مثقفون ثقافات واسعة كالبرامكة، والفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وابن المقفع، فأثروا في الثقافة الإسلامية أثرا كبيرا بما مزجوا من الثقافتين الفارسية والعربية. أما الأتراك فجاؤوا بشجاعتهم وقوة أبدانهم، وبعاداتهم وتقاليدهم لا بحضارتهم وثقافتهم، فكانوا من ناحية الحضارة والثقافة قابلين لا فاعلين، جاؤوا لا يعرفون اللغة العربية فتعلموها في بطء، ولم يتقنها بعضهم إلا بعد ذهاب الجيل الأول منهم ، فكانوا يتخاطبون بترجمان.

ويحدثنا الصولي أن «بجكم» أمير الأمراء في عهد الراضي والمتقي كان يحسن العربية فهما ولا يحسنها كلاما، «وكان يقول: أخاف أن أتكلم العربية فأخطئ في لفظي، والخطأ من الرئيس قبيح؛ فلذلك أدع الكلام».

61

ولم يتقنوها في سرعة ومهارة كما فعل الفرس، فما أتى الجيل الثاني والثالث على الفرس حتى رأيناهم قد أمسكوا بزمام الأدب شعرا وكتابة وتأليفا علميا، وليس كذلك الأتراك، فقل أن نرى منهم شاعرا أو ناثرا بالعربية، وعلى الأخص في الأجيال الأولى من إسلامهم، وأسلم الأتراك الأولون فكان إسلامهم ذا لون خاص، فيه نواحي قوة ونواحي ضعف، فهو دين شديد لا يقبل جدالا ولا مناقشة، ولا يقبل مذاهب مختلفة، وعلى العكس من ذلك الفرس، فكان إسلامهم فيه الجدل الشيعي وغير الشيعي، وفيه المقارنة بينه وبين المانوية والزرادشتية والمزدكية، وفي التزندق أحيانا والتفلسف أحيانا، وفيه المذاهب المختلفة التي ظهر أثرها في العراق أيام سلطانهم، أما مؤرخ الإسلام عند هؤلاء الأتراك فلا يرى مجال القول فسيحا كما يراه عند الفرس، ولكل من هذين النوعين من التدين مزاياه ومضاره، كالفرق بين إيمان العجائز وإيمان الفلاسفة.

أخذت طائفة من الأتراك يتعلمون اللغة العربية والدين، وربما كان من خير مثل لتعلم الطبقة الممتازة من الأتراك ما كان من أحمد بن طولون، فقد أخذ يتعلم على حين أن كثيرا من أمثاله لا يعنون بالتعلم. قال المقريزي: «نشأ أحمد بن طولون نشئا جميلا غير نشء أولاد العجم (يريد الترك)، فوصف بعلو الهمة، وحسن الأدب، والذهاب بنفسه عما كان يترامى إليه أهل طبقته.»

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨