ويختم الكتاب بالكلام على فلسفة الموت، والخوف منه، فيقول: إن علاج الخوف منه، هي أن تقنع النفس أنها تصير بعد الموت إلى ما أصلح لها مما كانت فيه؛ لأن الإنسان لا يناله بعد الموت شيء من الأذى ألبتة؛ لأن الأذى حسي، والحس ليس إلا للحي، وهو في حال حياته مغمور بالأذى، فالحالة التي لا أذى فيها أصلح من الحالة التي فيها الأذى، فالموت إذا أصلح للإنسان من الحياة، فإن قيل: «إن الإنسان وإن كان يصيبه الأذى في الحياة، فإنه يناله من اللذات ما ليس يناله في حال موته، فنقول له: إن الميت ليس بضره ألا ينال اللذت؛ لأن الحي هو الذي يحتاج إلى اللذة، دون الميت»، وقد أطال في ذلك.
وقد سقنا هذه الأمثلة لنبين منها منهجه في التأليف، وأسلوبه في التعبير، ومنحاه في الإدلاء بالحجج.
وقد وضع رسالة سماها «السيرة الفلسفية»، رسم فيها المثل الأعلى لأخلاق الفيلسوف.
وأما إخوان الصفاء فتكاد الأخلاق عندهم تشبه الأخلاق عند مسكويه، وعند الرازي، وعندهم أن الأخلاق نوعان: أخلاق فردية، وأخلاق جماعية، فالأخلاق الفردية يقولون: إنها تعرف بالعقل، فما أمرنا الله به فهو خير، وما نهانا عنه فهو شر، ويرون أن لبعض الناس عقولا يعرفون بها الخير ويأتونه، والقبيح ويبعدون عنه، وهؤلاء هم الحكماء والفلاسفة، أما غيرهم فقد يرى الخير ولا يفعله، والشر ويأتي به، وأرقى أنواع الأخلاق عندهم فعل الخير للخير، لا من أجل أي نفع عاجل أو آجل، كما يقول الصوفية، قالوا: أما الأخيار، فهم الذين يعملون ما رسم لهم في النواميس الإلهية، ويفعلون ما أوجبته العقول السليمة، ولا يطلبون على ذلك عوضا، من جر منفعة إلى أجسادهم، أو دفع مضرة عنها، فعند ذلك يقال لهم: أخيار على الإطلاق، وأنهم من أبناء الآخرة، ويقولون في العادة: «يجب أن تعود نفسك عمل الخير؛ لأنه خير لا تريد بفعلك عوضا، ولا يحملك على فعله خوف، فمتى فعلت لطلب المكافأة، لم يكن عملك خيرا، وكذلك إذا أردت من عمل الخير، الذكر والاسم، كنت منافقا، والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين».
ويقولون كما أشرنا قبل: «إن الفضيلة وسط بين الإفراط والتفريط، وإن الفضائل من مواهب، هي من أخلاق الملائكة»، ويجعلون للإرادة والرياضة قسطا كبيرا في نيل الفضائل، أما الأخلاق الاجتماعية، فعمادها البيئة، والمجتمع، وقد قالوا: إن من البيئة الأجرام السماوية، فلها تأثير كبير في الإنسان وأعماله، وبعض هذه التأثيرات خير أو شر، وقد قسموا الأقاليم إلى أقسام، وجعلوا كل إقليم له أثر في طباع الناس وأخلاقهم، وخير الناس من كان إقليمه أعدل إقليم، والناس يحتفلون من يوم الولادة، فأولاد ملوك، وأولاد تجار، وأولاد الفقراء والمساكين، وكل هؤلاء يتأثرون تأثرا كبيرا بطبقتهم.
والناس محتاجون إلى التعاون، ولذلك شاع بين الناس: الإنسان مدني بالطبع، والإنسان مشتق من الأنس، لا من النسيان، قالوا: إن الإنسان الواحد لا يقدر أن يعيش وحده، إلا عيشا نكدا؛ لأنه محتاج إلى طيب العيش، مع إحكام صنائع شتى، ولا يمكن الإنسان الواحد أن يبلغها كلها؛ لأن العمر قصير، والصنائع كثيرة، فمن أجل هذا، اجتمع في كل مدينة، أو قرية أناس كثيرون لمعاونة بعضهم بعضا، وقد أوجبت الحكمة الإلهية، والعناية الربانية، أن يشتغل جماعة منهم بإحكام الصناعات، وجماعة في التجارب، وجماعة في تدبير السياسات إلخ.
ومما يؤثر في الأخلاق الاجتماعية الدولة، وقد ذكرنا قبل رأيهم في الدولة، وأن لكل دولة عمرا محدودا، وأنها تنهار في آخر أيامها، وتؤثر في أهلها أثرا سيئا، وأنهم يؤملون قيام دولة رؤساؤها أهل خير، حتى ينصلح الشعب بهم، ويرون أن الدين والدولة لا يفترقان، والناس محتاجون في صلاح أمرهم إلى ملك، ولا بد لهم من سلطان يملكهم ويرأسهم، ويحكم بينهم فيما يختلفون فيه ويتنازعون، ويمنع الظالم القوي من التعدي على الضعيف المظلوم، وتأمن من خوفه السبل.