تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد أن ذكر مجمل الأخلاق ذكر تفاصيلها، عاقدا فصلا لكل فضيلة أو رذيلة، فمثلا: فصل في قمع الهوى، وفي تعرف الرجل عيوب نفسه، وفي دفع العشق والإلف، وفي دفع العجب والحسد والغضب، وفي إطراح الكذب، وفي إطراخ البخل، إلخ. ولعلمه بالجسم، وتشريحه استطاع أن يشرح أثر الرذيلة في الجسم فيقول مثلا في قمع الهوى: «إن أول فضل للناس على البهائم هو ملكة الإرادة، وإطلاق الفعل بعد الروية؛ وذلك أن البهائم واقفة عند ما تدعوها إليه الطباع، وذلك أنك لا تجد بهيمة تمسك عن أن تتناول ما تغتذي به مع حاجتها إليه، وفضل الإنسان في ذم الطبع، فمن أراد أن يزين نفسه، ويكمل لها هذه القضية، فقد رام أمرا صعبا شديدا، ويحتاج أن يوطن نفسه على مجاهدة الهوى، ومجادلته، ومخالفته.

والهوى والطباع يدعوان أبدا إلى اتباع اللذات الحاضرة، وإيثارها من غير فكر، ولا روية في عاقبة؛ لأنهما لا يريان إلا حالتهما التي هما فيها لا غير» إلخ.

ويقول مثلا في تعرف الإنسان عيوب نفسه: «إن كل واحد منا لا يمكنه مع الهوى، ومحبة نفسه أن ينظر بعين العقل الخالصة المحضة إلى خلائقه وسيرته، وينبغي أن يسند الرجل أمره إلى رجل عاقل كثير اللزوم له، والكون معه، ويسأله ويضرع إليه، ويؤكد عليه أن يخبره بكل ما يعرف فيه من المعايب، ويعلمه أن ذلك أحب الأشياء إليه، فإذا أخذ الرجل المشرف يخبره، ولم يظهر له اغتماما، بل أظهر له سرورا بما يستمع، وتشوقا إلى ما لم يستمع، وينبغي أن يستخير، ويتحسس ما يقوله فيه جيرانه، ومعاملوه، وإخوانه، وبماذا يمدحونه، وبماذا يعيبونه». وقد كتب في هذا المعنى جاكينوس كتابا عنوانه: أن الأخيار ينتفعون بأعدائهم، ويعيب العشق، والمبالغة فيه، فإن العقلاء إذا رأوا آلام العشاق نفروا منه، وأنه لا يغرق فيه إلا الخنثون من الرجال، والرذلون، والفرار، والمترفون، ولا سيما إن أكثروا النظر في قصص العشاق، ورواية الرفيق الغزل من الشعر، وسماع الشجي من الغناء والألحان، واللذة التي يتصورها العشاق، وسائر من كلف بشيء، وغرم به، كالعشاق للرياسة، والتملك، وهي أن ينالوا المطلوب مع عظم ذلك في أنفسهم، ولو فكروا في وعورة هذا الطريق وخشونته، ومهاويه ومهالكه، لمر عليهم ما حلا، وصغر عندهم ما يحتاجون في جنب مقاساته ومكافحته.

والعشاق يجاوزون البهائم في عدم ضبط النفس، وذم الهوى، وهم لا ينالون من ملاذهم شيئا إلا بعد أن يمسهم الهم والجهل، ويأخذ منهم، وأما احتجاجهم بكثرة من عشق من الأدباء والشعراء، فحجة واهية؛ لأن الشعر والفصاحة والأدب، ليست أشياء لا تكون إلا مع كمال العقل والحكمة، بل قد تكون مع نقصهما، فالعشاق قد يكونون من أهل النفس في عقولهم وحكمتهم، وأما قولهم: إن العشق يدعو إلى النظافة واللباقة، والهيئة والزينة، فما يسمح بجمال الجسد، مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسماني، ويجتهد فيه إلا النساء، وذوو الحنف من الرجال»، ويقول في الحسد: «إن الحسد يتولد من اجتماع البخل والشره؛ والحاسد هو من اغتم من خير يناله غيره؛ من حيث لا مضرة عليه منه ألبتة، ومن الغريب أنا نرى الرجل الغريب يملك أهل بلد ما، ولا يكادون يجدون في أنفسهم كراهة لذلك، ثم يملكهم رجل من بلدهم، فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من كراهته، وقد كان الرجل المالك القريب لهم أرأف بهم، وأنظر إليهم من المالك الغريب. وإنما يؤتى الناس في هذا الباب من فرط محبتهم لأنفسهم، فمن أجل حب الرجل لنفسه يجب أن يكون سابقا لا مسبوقا، فإذا هو رأى من كان بالأمس معه سابقا له اليوم، مقدما عليه، اغتم لذلك، واشتد عليه سبقه إياه، ولذلك يكثر التحاسد بين الأقرباء والمعاشرين والمعارف». ويعقد فصلا للاتصال الجنسي يرى فيه أنه يضعف البصر، ويهد البدن، ويقلقه، ويسرع بالشيخوخة والهرم، ويضر بالدماغ والأعصاب، ويسقط القوة ويوهنها، «وهو كلام طبيب»، وله ضراوة شديدة كضراوة سائر الملاذ، بل أقوى وأشد منها، والإقلال منها يحفظ على الجسد رطوبته، فتطول مدة النشوء والنماء، وتبطئ الشيخوخة والجفاف، فينبغي للعاقل أن يذم نفسه عنها، ويمنعها منه، ويجاهدها على ذلك؛ لئلا تغرى به، وتضرى عليه إلخ.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨٦