تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وقد يكون الملك نفسه جائرا، ومع ذلك فلا مندوحة عن قبول حكمه، ولكن عمره يكون عادة قصيرا؛ لأن الله قاصم كل جبار عنيد، ومهلك كل مارد معتد، وهو ينصف المظلوم من الظالم

2

والسياسات أنواع؛ سياسة خاصة، وهي معرفة كل إنسان كيفية تدبير منزله، أو أمر معيشته إلخ، وسياسة ذاتية، وهي معرفة كل إنسان نفسه وأخلاقه، وتفقد أفعاله وأقاويله في حال شهوته وغضبه ورضاه، والنظر في جميع أموره، ثم تنقسم إلى قسمين: سياسة جسمانية، وهي تدبير الجسم، وحفظ العافية عليه، وسياسة نفسانية، وهي السياسة التي يحتاج إليها في معاشرة الناس، ومراقبة نفسه إلخ إلخ.

فترى من هذا أنهم نقلوا الأخلاق أيضا إلى علم ذي أبواب وفصول، ونراهم في الحقيقة أيضا قد مزجوا بين العقل والدين، وبين الأخلاق، والنفس، والاجتماع، والاقتصاد، شأنهم في ذلك شأن أهل القرون الوسطى جميعا، وكانت كلها فروعا من فروع الفلسفة، حتى الطب كان أحد فروعها، ثم أخذت العلوم تنفصل عن الفلسفة، فعلم خاص بالنفس، وعلم خاص بالاجتماع، وعلم خاص بالأخلاق.

وعلى الجملة، كان لمسكويه، والرازي، وإخوان الصفاء فضل في نقل الأخلاق من نصائح أدبية إلى علم بأصول، كما فعل الفرنج اليوم، ولكن الفروق بين هؤلاء الثلاثة فروق دقيقة، لا نري فيها مذاهب، كالذي نراه اليوم بين مذهب المنفعة، ومذهب اللقانة، ومذهب النشوء والارتقاء إلخ. فقد كان مصدرهم كله الفلسفة اليونانية، غاية الأمر أن منهم من مزجها بالدين كإخوان الصفاء ومسكويه، ومنهم من حكم فيها العقل فقط غير ناظر إلى الدين كالرازي.

وعلى الجملة، فهناك منحيان للأخلاق: أحدهما الجمل الخلقية، والأمثال والقصص، كقصص كليلة ودمنة، وقد مهر في هذا النوع الأحنف بن قيس، والحسن البصري، وابن المقفع، وغيرهم، ونوع أسس على العلم خصوصا بعد نقل الفلسفة اليونانية، ك «تهذيب الأخلاق» لمسكويه، وقد شاهدت في حياتي هذين النوعين، فكان يدرس لنا الأخلاق أستاذ من دار العلوم يدرس لنا «أدب الدنيا والدين»، وهو على نمط الحكم والأمثال، ثم درس لنا أستاذ متشبع بالثقافة الإنجليزية، فدرس لنا كتاب الأخلاق لماكنزي، وهو يعرض النظريات المختلفة في الأخلاق وأسسها، ثم يبني عليها دراسة الفضائل مفصلة، ودرس لنا أيضا كتاب «مذهب المنفعة» لجون استوارت مل، ومذهب «النشوء والارتقاء» لسبنسر، ونحو ذلك، فهذان المنحيان ظلا يعملان في العصور المختلفة، وربما كان الغزالي جامعا بين المذهبين في كتابه «الإحياء»، فهو يبدأ الكلام في كل فضيلة أو رذيلة بالآيات والأحاديث، وما روي عن كبار الصحابة والتابعين، ثم يتبع ذلك بالتحليل النفسي للفضائل والرذائل.

وقد جمع بين المذهبين، كما حاول الجمع بين الفقه والتصوف، وبين الفلسفة والدين، وكثير من الأخلاق من النوع الأول عبرت عنه أشعار، كما فعل المتنبي وأبو نواس في حكمهما، وسايرهما من جاء بعدهما.

ومن الملاحظ أن المنحى الأول يسير إلى المنحى الثاني، ومن ظواهر المنحى الأول اعتماده على الدين كثيرا، وعلى الحكم الدينية، وأما المنحى الثاني فيميل إلى الاعتماد على العقل كثيرا، ولكل فضل؛ فالمنحى الأول يستقبل من الجماهير استقبالا حسنا لاعتماده على الدين ... والدين في أعماق كل نفس تقريبا، والمنحى الثاني يستقبل استقبالا حسنا من الفلاسفة وأمثالهم؛ لأنهم يميلون إلى استناد كل شيء على المبرر العقلي ...

| هوامش

الفصل السابع

| في العلوم

ونعني بالعلوم ما يسمى عند الفرنج

SCIENCES

كالرياضيات، والطبيعيات ، والكيمياء، ونحوها، وقد عنيت طائفة بها، وتقدمت تقدما كبيرا في هذا القرن الرابع، وتفاخر الملوك والأمراء بها، وزينوا أقطارهم بها، فجبريل بن بختيشوع في العراق، وابن الهيثم في العراق ومصر، وعلي بن رضوان في مصر، وابن البيطار النباتي وغيرهم، وألفوا في ذلك الكتب الكثيرة للأمراء، كما فعل الرازي في كتابه «المنصوري» باسم المنصور بن إسحاق، و«التاجي»، وكما فعل سعيد بن هبة الله الذي ألف كتابه «المغني في الطب» للمقتدي بأمر الله، ونقرأ كتاب «الفهرست» لابن النديم، و«كشف الظنون»، فترى فيهما مئات الكتب في العلوم. وكانت الرقعة الإسلامية مجالا للعلماء من كل جنس ودين، من نصارى ويهود ووثنيين، وكان بعض الأطباء مثلا ذوي اختصاص كالكحالين، والجراحين، والفاصدين، ومن يعالج النساء، إلخ، حتى كان بعضهم من النساء، وكانوا كاليوم يعنون بفحص البول، وجس النبض، والاستدلال منهما على نوع المرض، واستفاد الأطباء المسلمون من اليونان، والفرس، والهنود، والكلدان، واخترع بعضهم ما خالف به أطباء اليونان كمعالجتهم الفالج والاسترخاء بالأدوية الباردة بدل ما كان يستعمل عند اليونان من الأدوية الحارة، واستخدم أطباء المسلمين المرقد «البنج» في الطب، وتوسعوا في الكي، واستعملوا صب الماء البارد في أحوال النزيف، وكانوا أول من نظم الصيدلة، وتوسع فيها، واستجلبوا العقاقير من مختلف البلاد، وأنشئوا الحوانيت لها، وكان اشتغالهم بتحويل المعادن إلى ذهب سببا في وقوفهم على كثير من المواد الكيماوية، فاستحضروا ماء الفضة المسمى «حامض النتريك»، وزيت الزاج، المسمى «حامض الكبريتيك»، واكتشفوا البوتاسا، وروح النوشادر وملحه، وحجر جهم المسمى «نترات الفضة»، والسليماني المسمى «كلوريد الزئبق»، وغير ذلك من المركبات والعناصر، واكتشفوا مادة إذا طلي بها الخشب لم يحترق، وعرفوا الترشيح، والتقطير، والتصعيد، والبلورة، والتذويب، واستخدم مثلا ابن الهيثم علمه بالكيمياء، والطبيعة في المخترعات الميكانيكية، واشتغلوا بعلم الفلك، وبدءوا فيه بالتنجيم، ثم قلبوه إلى علم، فصنع الخوارزمي مثلا زيجا جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس والروم، وزاد في ذلك أبوابا. وجاء البتاني فصنع زيجا آخر، عرف بالزيج الصابي، وجاء بعد ذلك في القرن الرابع والخامس أبو الوفاء البوزجاني والبيروني، فاخترعا كثيرا من الآلات الفلكية، استخدموها في المراصد، وفي مصر أنشئ مرصد على جبل المقطم عرف بالمرصد الحاكمي؛ نسبة إلى الحاكم بأمر الله.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨٨