تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والرازي هذا من الرجال المعدودين في قوة العقل، وكبر الأثر، ولد في الري، ويقول الشهرزوري: «إنه اشتغل بالكيمياء حتى أثرت العقاقير المستعملة في عينيه، وذهب إلى طبيب ليعالجهما، ففرض عليه خمسمائة دينار، فدفعها إليه، وأدرك ما في الطب من مكسب، فقال: «هذا هو الكيمياء لا ما ذهبت إليه».

ثم اشتغل بالطب حتى تقدم على من سبقه من الأطباء، وبلغ الغاية في فحص البول، ومرضى الجدري والحصبة، قالوا: إنه كان شيخا كبير الرأس، مسفط الوجه، وكان يجلس للتعليم بعظمة، ودونه التلاميذ، وكان كريما متفضلا بارا بالفقراء، وكان يجري عليهم الجرايات الواسعة، وقد ألف للمنصور كتابا في الطب الجسماني، ثم ألف على نمطه كتابا في الطب الروحاني، ويعني بالطب الروحاني، الأخلاق، واعتمد الفرنج كثيرا على كتابه في الطب المسمى ب «الحاوي»، وترجم له بالفرنسية رسالة في الحصوة في المثانة والكليتين، وترجم له إلى الألمانية رسائل كثيرة، وله شعر عليه طابع الفلسفة، كشعر أبي العلاء، وابن الشبل البغدادي، مثل قوله:

لعمري ما أدري وقد أذن البلا

بعاجل ترحالي إلى أين ترحالي

وأين محل الروح بعد خروجه

من الهيكل المنحل والجسد البالي

وكان يعتقد في النشوء، والارتقاء العلمي، وأنه أرقى من أرسطو وجالينوس، وسيخلفه من يكون أرقى منه على مر الزمان.

وقد قالوا: إنه اعتقد بعض العقائد الشاذة من أستاذيه البلخي، وعلي بن رين، وقالوا: إن الحلاج قد اعتقد بعض آراء فلسفية له، وقد نقده الفارابي، وابن الهيثم في بعض آرائه، وقد ترجم له البيروني ترجمة وافية.

ويظهر أنه كان من العقليين الذين يؤمنون بالله، وينكرون النبوة، فقد رويت لنا مناقشة حادة بينه وبين أبي حاتم الرازي، يستفاد منها إنكاره للنبوة، ورد أبي حاتم عليه، ولذلك نرى أن مسكويه يدعم نظرياته في الأخلاق بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية؛ على حين أن الرازي هذا يعتمد في كتابته في الأخلاق على العقل البحت، وربما كان لهذا السبب بدأ مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق» في بحث في النفس وقيمتها، بينما بدأ الرازي في البحث في العقل وقيمته.

وإذ كانت أبحاثه عقلية محضة، وأبحاث المعتزلة عقلية دينية، فقد نقدهم كثيرا، كما لم يرض عن إخوان الصفاء؛ لأنهم فلاسفة دينيون أيضا، وهو فيلسوف محض، وقد غذت أقواله المتطرفة في النبوة، القرامطة من المسلمين، والملاحدة من النصارى، وقالوا: إنه ألف كتاب اسمه «نقض النبوة» يذكر فيه أن النبوات أضرت الناس، في كسلهم، وعاداتهم السيئة، وضيق عقولهم، وأنها هي السبب في العداوة بين الناس، وإثارة الحروب بينهم.

ومن أجل ذلك كان المتدينون أعداء للفلسفة، وأن أمثال أفلاطون، وأرسطو، وإقليدس أفادوا الإنسانية أكثر من الأنبياء إلخ إلخ.

والذي يهمنا هنا نظراته الخلقية، فقد أسس الأخلاق على العلم كمسكويه، وزاد عليه أنه في كتابه - كما قلنا - عقلي لا نقلي.

ومن أحسن ما في كتابه بحث طويل عميق في اللذة والألم، وهو يرى أنهما أساس الفضائل والرذائل، وقد سبق بمئات السنين في ذلك بنتام ، وجون استوارت مل في تأسيس مذهب المنفعة على اللذة والألم.

فعندهما وعنده أن الفضيلة إنما عدت فضيلة لرجحان منافعها على مضارها، أو بعبارة أخرى رجحان ما ينتج عنها من اللذائذ، على ما ينتج عنها من الآلام، والرذيلة بالعكس، وفضيلة تفضل فضيلة لكثرة لذائذها، وعمل يفضل عملا، بما ينتج عنه من لذائذه.

وليست للفضيلة، ولا للرذيلة قيمة ذاتية، وعند الرازي أنه ليس هناك لذة إيجابية، وإنما اللذة عدم الألم، فالجوع مثلا مؤلم، والأكل لذيذ؛ لأنه يضيع ألم الجوع، وهكذا: إذا نحن حللنا كل لذة، وجدناها عبارة عن دفع ألم.

وله في العادات رأى لطيف أيضا، فيقول: «ينبغي أن يحتفظ بالعادات، ويجري مجازيها، إلا أن تكون مفرطة في الرداءة، فإذا كانت كذلك، فلينتقل عنها قليلا قليلا بالتدرج منها، وليحذر أن تجري العادة، وتتأكد بلزوم طعام أو شراب أو اجتنابهما، أو بنوم، أو بحركة، فإنها إذا تأكدت هذا التأكد، عظم الضرر من الإخلال بها، وليعتد الإنسان أن يمرن نفسه على لقاء الحر والبرد، والحركة والأغذية التي لا بد له منها، وتبديل أوقات النوم واليقظة» إلخ إلخ.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨٥