تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى أن أساس الفضائل هي محبة الإنسان كافة، وبدون هذه المحبة لا تقوم جماعة قط، والإنسان لا يبلغ كماله إلا مع أبناء جنسه، وبمعونتهم.

وهذه المحبة لا تظهر آثارها إلا في جماعة أو مدينة، فإذا كان الرجل معتزلا أو راهبا ناسكا لا نستطيع أن نحكم على أعماله بالخير أو الشر، وهو في هذا يقول كما قال إخوان الصفاء، وله كلام طويل في تحليل المحبة، وتقسيمها إلى صداقة، ومودة، وعشق، ويبين أسبابها ودرجاتها، ومدة بقائها، وهي أنواع: أرقاها محبة العبد لخالقه، ثم محبة الحكماء بعضهم لبعض، ثم محبة عامة الناس. وكان الكلام في المحبة شائعا في هذا العصر، يتداوله الصوفية، والفلاسفة، والأدباء ، ويؤلف فيه أبو حيان «الصداقة والصديق» إلى غير ذلك.

واجتهد في أن يوفق بين المذاهب اليونانية المختلفة، ودين الإسلام، وهو من حين لآخر يعرج على النفس، ويزيدها إيضاحا، مما يدل على تبحره في علم النفس، وله أحيانا كلام في الأخلاق يشبه كلام ابن المقفع؛ ولذلك عني بكتاب «جاويدان خرد» الذي ترجم بعضه الحسن بن سهل، وترجم بعضه الآخر مسكويه، مثل قوله: «إذا آنستك السلامة فاستوحش من العطب، وإذا فرحت للعافية فاحزن للبلاء؛ وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك بقرب الأجل، الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب خير من العقل، والتفكير هناك في العاقبة مادة الجزع ... إلخ إلخ».

وله مع أبي حيان كتاب «الهوامل والشوامل»، وهو عبارة عن أسئلة من أبي حيان، وأجوبة من مسكويه، وهو إذا تعرض لمسألة خلقية أو نفسية أفاض فيها؛ وكان شيعيا بحكم خدمته للوزراء والملوك الشيعيين؛ ولذلك نرى في ثنايا كلامه في الكتاب آثارا شيعية، وإن كانت مختفية وراء المظاهر. ومما يدل على كثرة تجاربه الخاصة والعامة، أو بعبارة أخرى الفردية والجماعية، أنه في الفردية ألف كتاب «تهذيب الأخلاق»، وفي الجماعية ألف كتاب «تجارب الأمم» الذي سيأتي ذكره، وقد كان على ما يظهر رجلا فاضلا نبيلا، خصوصا في آخر أيامه. وقد أثرت عنه وصية أوصى بها من يأتي بعده، تعد من خير الوصايا، تدل على أنه كان حي الضمير، يحاسب نفسه، ويتمنى الخير والتهذيب لمن يأتي بعده. جرى فيها على وصية قس بن ساعدة ولقمان، وغير ذلك مما أثر عن الحكماء، ولا نطيل بذكرها؛ فهي مبثوثة في الكتب؛ وروي له شعر كان فيه متأثرا بمبادئه الخلقية، وكتابته في الأخلاق، مثل:

لا يعجبنك حسن القصر تنزله

فضيلة الشمس ليست في منازلها

لو زيدت الشمس في أبراجها مائة

ما زاد ذلك شيئا في فضائلها

ويقول:

والناس في العين أشباه وبينهم

ما بين عامر بيت الله والخرب

في العود ما يقرن المسك الذكي به

طيبا، وفيه لقى ملقى مع الحطب

لا تطيلوا المال من حول ومن حيل

فربما جاء مطلوب بلا طلب

ويقول:

ولقد نفضت بهذه الدني

يدي وحسمت دائي

ماذا يغرني الزما

ن وقد قضيت به قضائي

ويعتب على أبي العباس الغني فيقول:

ما كان أغنى أبا العباس عن شره

إلى لحوم سباع كن في الأجم

إني وإن كنت لا أرضى الخنا لفمي

ولا أحط لقول فاحش هممي

لا يستريح إلي القول أحوجه

حر السكوت إلى الترويح بالنسم ... إلخ.

وعلى الجملة، فقد نقل الأخلاق نقلة جديرة بفلسفتها؛ وإن كان شاركه في ذلك العمل غيره، مثل: محمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفا - لقد بدأ قبله الجاحظ في فلسفة الأخلاق، كما فعل في رسالة «الحاسد والمحسود»، وكما فعل في تحليل نفس أحمد بن عبد الوهاب، وكالذي نجده من حين إلى حين في بعض رسائله، وفي كتاب «الحيوان»، ولكن مزية مسكويه أنه وضع للأخلاق نظاما شاملا، وفلسفة كلية، أما الجاحظ وأمثاله فنتف هنا، ونتف هناك من غير تبويب، ولا ترتيب.

ولقد كان مسكويه - على ما يظهر - متدينا يحافظ على العقائد الإسلامية في أثناء كتابته، ولا يقبل من الفلسفة اليونانية، والفلسفة الوثنية على العموم إلا ما يتفق والإسلام.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨٤