ولعل أشهر المؤلفين في الأخلاق في عصرنا هذا ابن مسكويه، ومحمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفاء، فابن مسكويه - أو مسكويه فقط كما يرجحه أكثرهم - هو أحمد بن محمد بن يعقوب، وهو أصل مجوسي، وقد تبحر في الأخلاق الفارسية لفارسيته، وفي الأخلاق اليونانية لثقافته بها، صحب أولا الوزير المهلبي في أيام شبابه ولازمه.
وقد مكنته هذه الصحبة من معرفته بالطبقة الأرستقراطية، وطبقة بعض الأدباء، ومعرفته بالناس، ثم اتصل بخدمة الملك عضد الدولة، وكان خازنا لمكتبته، كاتما لأسراره، رسولا إلى نظرائه، ويظهر أنه عني من الفلسفة اليونانية بالناحية العملية من الأخلاق، وما إليها، وقصر في الإلهيات، ومن أجل ذلك وصفه أبو حيان في «الإمتاع والمؤانسة» بأنه «فقير بين أغنياء، وعيي بين أبيناء لأنه شاذ؛ وإنما أعطيته فيه هذه الأيام صفو الشرح لإيساغوجي، وقاطيغورياس، فلم يكن له فيهما حظ؛ لأنه كان مشغولا بطلب الكيمياء، مفتونا بكتب أبي زكريا، وجابر بن حيان»، وقد عاب عليه أنه كان في الري مع أبي الحسن العامري، وهو ما هو علما وفلسفة، فلم ينتفع منه، وعابه ابن سينا في بعض كتبه بأنه شرح له مسألة فلسفية، ثم أعادها عليه، فلم يفهمها، ودفع إليه مرة جوزة كانت في يده، وقال له: امسح هذه، أي أخرج مساحتها، فألقى إليه مسكويه أوراقا، وقال له: أصلح بهذه أخلاقك؛ مما يدل على أن مسكويه كان متجها إلى الناحية الخلقية لا الإلهية، فعابوه على ذلك من غير حق.
وشاء الله أن ينبغ في الأشياء التي هو مستعد لها، وقد ألف في الأخلاق كتبا كثيرة مثل: «تهذيب الأخلاق»، و«الفوز الأصغر»، وكتاب «جاويدان خرد» بمعنى العقل الخالد، إلى غير ذلك من كتب تدور كلها حول الأخلاق.
وكانت مصادره في الأخلاق: (1)
الفلسفة اليونانية. (2)
الكتاب والسنة. (3)
تعاليم الفرس، وحكمهم. (4)
تجاربه الشخصية؛ فقد عمر طويلا، وكان في شبابه منغمسا في الحياة، مستمتعا بها، ثم كان صديقا للوزير المهلبي، ومن جلسائه، والوزير المهلبي هو ما هو في ترفه ونعيمه، ينفق ما يشاء على الثلج، والورد، والشراب، ثم كان من أتباع عضد الدولة، ومصاحبا له في سفره وإقامته، ومشتغلا بالكيمياء، يخالط المشتغلين بها من صادقين ودجالين، ثم عمر طويلا حتى بلغ نحو المائة، كل هذا مزجه مزجا غريبا، وأخرج من هذا المزيج كتبه في الأخلاق.
وكان أيضا قد اطلع على فلسفة الكندي والفارابي، ففلسف الأخلاق بعد أن كانت حكما؛ وعني بمعرفة النفس، وقرأ فيها كثيرا، وحللها كثيرا، وبنى فلسفته الأخلاقية على العلم بالأمور النفسية أيضا، واطلع في الأخلاق على آراء أفلاطون، وأرسطو، وجالينوس، واتبع مذهب أرسطو في نظرية «الأوساط» أيضا التي شرحناها في إخوان الصفاء.
وبدأ بالكلام في ماهية النفس؛ وعنده أن النفس جوهر بسيط غير محسوس لحاسة من الحواس، تدرك وجود ذاتها بذاتها، وتعلم أنها تعلم، وأنها تعمل، وهي ليست جسما، والدليل على ذلك أنها تقبل صور الأشياء المتضادة، فتقبل معنى الأبيض والأسود، ومعنى الشجاعة والجبن، مع أن الجسم لا يقبل في وقت واحد إلا شيئا واحدا كالسواد أو البياض، والنفس بطبيعتها تواقة إلى المعرفة، بل هي تكذب الحواس، وتميز منها الصادق والكاذب، وهي وحدة يكون فيها العقل والعاقل والمعقول شيئا واحدا، ويعرف الخير بأنه ما به يبلغ الكائن المريد غاية وجوده، والناس مختلفون في الاستعداد للأخلاق؛ فمن الناس من هم أخيار بطبعهم، وهم قليل، ولا يتقبلون الشر بحال.
ومن الناس من هم أشرار بطبعهم، وهم كثير، ولا يستطيعون أن يصدر عنهم الخير ألبتة، وقوم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، مستعدون لأن ينتقلوا إلى الخير أو الشر بالتربية، وله نظرة صوفية: أن الله هو الخير المطلق، والأخيار جميعا يسعون في الوصول إليه، وهو يفرق بين الخير والسعادة، فالخير هو الذي يقصده الكل للشوق إليه، وهو الخير العام للناس من حيث هم ناس، أما السعادة فهي خير ما لواحد ما، والإنسان يكون سعيدا إذا تحققت مقتضيات طبيعته.