تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما اشتهر بعد ذلك في الحكم الجاحظ في بعض كتبه، مثل قوله: «احذر كل الحذر أن يختدعك الشيطان عن الحزم، فيمثل لك التواني في صورة التوكل، ويسلبك الحذر، بإحالتك على القدر، فإن الله - عز وجل - إنما أمرنا بالتوكل عند انقطاع الحيل، والتسليم للقضاء بعد الإعذار». كما اشتهر بالحكم الفارابي، فله وصايا كثيرة أوضح من فلسفته الغامضة، مثل قوله: «كل واحد من الناس متى رجع إلى نفسه، وتأمل أحواله ، وأحوال غيره من أفناء الناس، وجد نفسه في رتبة يشركه فيها طائفة منهم، ووجد فوق رتبته طائفة هم أعلى منه منزلة، ووجد طائفة دونها هم أوضع منه؛ لأن الملك الأعظم، وإن وجد نفسه في محل لا يرى لأحد من الناس في زمانه منزلة أعلى من منزلته، فإنه إذا تأمل حاله، وجد فيهم من يفضل عليه بنوع من الفضيلة؛ إذ ليس في أجزاء العالم ما هو كامل من جميع الجهات، وكذلك الوضيع الخامل الذكر، يجد من هو دونه بنوع من الضعف». ويقول: «إن لكل شخص من أشخاص الناس قوتين: إحداهما عاقلة، والأخرى بهيمية، ولكل واحدة منهما إرادة واختيار، وهو كالواقف بينهما، ولكل واحدة منهما نزاع غالب» إلخ إلخ.

وقد حكى له جاويدان خرد هذا نحو عشرين صفحة من الحكم، كما اشتهرت بالحكم مدرسة أبي سليمان المنطقي من مثل ما حكاه أبو حيان التوحيدي في كتابه «المقابسات»، وما حكاه أبو حيان لنفسه في كتبه الكثيرة، ومن مثل ما كتبه جاويدان خرد أيضا لأبي الحسن العامري، إذ روى له نحو خمس وعشرين صفحة من الحكم، والعامري هذا هو أبو الحسن محمد بن يوسف العامري، فيلسوف مشهور، حدثنا عنه كثيرا أبو حيان التوحيدي في كتبه، مثل قوله: «سل واهب العقل إضاءة العقل، وابدأ بالأول في إيثار الأولى، واعرف الأولى بإيثار الأول - أشرف أبواب النظر، ما أفاد تمييز الفناء من البقاء - من لم يعقل العقل، ويستضئ بنوره فقد صيره حجة عليه لا له - ليس الكمال في اقتناء النعم؛ بل الكمال في إضافة النعم - الجهل مع العفة خير من العلم مع الفسوق - لن يسعد العبد بالعيش الفاضل، إلا أن يكون مستنكفا من أن يكون سكونه إلى المال الممهد، والمجد المؤثل أقوى من سكونه إلى واهب المال، ومؤثل المجد» إلخ.

وربما كان هذا النوع أعني الحكمة ظل ينمو على مر السنين، فقد زاد عن نتاج القرن الرابع، فكل عصر يزيد هذه الثروة - يزيدها بعض الشعراء كالمتنبي، وأبي فراس في شعرهما، وحتى العوام كانوا قادرين على إنتاجه بأمثالهم العامية، وقصصهم الحكيمة. فلنا الحق فيما يظهر أن نستثني هذا النوع من أنواع العلوم التي وقفت عند القرن الرابع الهجري.

| هوامش

الفصل السادس

| الأخلاق

كانت الأخلاق من أول عهد الإسلام مبنية على الدين، فالصبر حميد؛ لأن الله تعالى يقول:

إن الله مع الصابرين ،

اصبروا وصابروا ، والعدل مطلوب؛ لقوله تعالى:

اعدلوا هو أقرب للتقوى ،

ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، وكان بجانب ذلك حكم وأمثال وصلت إلى العرب من تجارب الزمان.

فلما دخل كثير من الفرس في الإسلام، وكانت لهم ثروة كبيرة من الحكم والأمثال في جميع مرافق الحياة نقلوها إلى العربية، وكان على رأس هؤلاء ابن المقفع، فقد نقل حكم الفرس وأمثالهم، وقصصهم، والقصص الرمزية التي تشير إلى الأخلاق ككليلة ودمنة، وملأ اللغة العربية بهذه الجمل اللطيفة الرشيقة التي تدل على عقل واسع، وتجربة ناضجة، هذه حكم في الأخلاق الفردية، وهذه حكم في الأخلاق الاجتماعية، وهذه حكم في السياسة، وفي الملك، وما يلزمهما، وفي البلاط، وما يتصل به كرسالة الصحابة التي يعنى بها صحابة الملك أو الخليفة، أو بعبارة أخرى بلاطه.

ثم حدث بعد ذلك أن نقلت كتب اليونان إلى اللغة العربية، فتدوولت فيما بين المسلمين، وكان من هذه الكتب كتب في الأخلاق ككتاب «الأخلاق» لأرسطو وغيره، فهضمها المسلمون، وأرادوا بعد ذلك أن ينقلوها، أو يحذوا حذوها، ويفلسفوا الأخلاق، ومنهم من من يعمل في الأخلاق ما عمل بعض الفلاسفة في الفلسفة؛ إذ عرضوا علم الأخلاق هذا على الإسلام، فما لم يقبله الإسلام رفضوه، وما قبله تقبلوه، ومزجوا ذلك بالدين.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨٢