تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتابهم المقدس الذي يعوق النظر الحر. (2)

حزب أهل السنة، وهو حزب قوي متمسك بالنصوص. (3)

أنهم لم يلبثوا أن جعلوا لأرسطو سلطانا مستبدا على عقولهم. (4)

ما في طبيعتهم القومية من ميل إلى التأثر بالأوهام.

من أجل ذلك لم يستطيعوا أن يصنعوا أكثر من شرحهم لمذهب أرسطو، وتطبيقه على قواعد دينهم الذي يتطلب إيمانا أعمى، وكثيرا ما أضعفوا مذهب أرسطو وشوهوه ... على أن الآثار الفلسفية العربية لما تدرس إلا دراسة ضئيلة جدا، لا تجعل علمنا بها مستكملا، بينما يرى بعضهم كديبور أن الفلسفة الإسلامية أصيلة، وإن كانت استمدت فيما استمدت من اليونان، أو من الفلسفة اليونانية، ويرى رينان أن الفلسفة إنما يصلح لها العقل الآري لا السامي.

وكل هذا خلط، فليس كتاب الله يقيد حرية المسلمين في التفكير، كما أنه ليس هناك حدود فاصلة أثبتها العلم بين الآريين والساميين كما قال رينان.

ولئن كانت الفلسفة الإسلامية متأثرة بالفلسفة اليونانية قليلا أو كثيرا على اختلاف الأقوال، فإن الأصالة ظاهرة عند المسلمين في شيئين واضحين: في أصول الفقه، وفي علم الكلام، فأصول الفقه يحتوي على أفكار أصيلة في اللغات، ودلالة الكلام، وفلسفة التشريع، وقد وضعه الشافعي، وألف فيه كتابا سماه «الرسالة»، تكلم فيه على منزلة القرآن من الدين، فالقرآن هو تبيان لكل شئون الدين، وقد أوضح في الرسالة المراتب الخمس للبيان في القرآن، مع التطبيق عليها، ثم أبان أن السنة تخصص الكتاب، ثم عقد عنوانا سماه «العلل في الاحاديث»، ذكر فيه ما يكون بين الأحاديث من خلاف بسبب أن بعضها ناسخ ومنسوخ، وبسبب الغلط في الأحاديث، وبين منشأ الغلط، ثم تكلم عن الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، ثم تكلم عن النهي وأقسامه إلخ.

وقد توسع الفقهاء فيما بعد في علم الأصول هذا، وأدخلوا عليه أبوابا لم تكن، فكان بذلك فلسفة إسلامية أصيلة رائعة، وعلم الكلام مملوء بالإلهيات.

نعم، إنه أخذ بعض أصوله من الفلسفة اليونانية، ولكن حورها بما يتفق والإسلام، وزاد عليها كثيرا، فيكاد يعد فلسفة أصيلة.

نعم، إن أصول الفقه، وعلم الكلام لم تشتمل على الرياضيات والطبيعيات؛ فهذه يصح أن تنسب في جوهرها لا في تفاصيلها إلى الفلسفة اليونانية.

ومهما اختلف الناس في أصالة العرب في الفلسفة الإسلامية، ومقدار تجديدهم في الفلسفة اليونانية، فلن ينكر أحد أصالة العرب في الحكم، فإن لهم حكما أصيلة منذ جاهليتهم، والفرق بين الحكم والفلسفة أن الحكم عبارة عن تركيز التجارب اليومية في جملة أو جمل، وهي أنسب لذوقهم، فقد شغف العرب بحب الإيجاز، وصوغ التجارب في «برشامة»، ونلاحظ أن الذي يقوله الأوروبيون في رواية طويلة في مئات من الصفحات يقوله العربي في حكمة وجيزة.

فقد قرأت لبرنارد شو رواية طويلة، مضمونها أن جماعة من قطاع الطريق خرجوا على سيارة، فقال قطاع الطريق: من أنتم؟ قالوا: نحن سراق الفقراء. فقال قطاع الطريق: ونحن سراق الأغنياء. وقرأت لرجل عباسي شاهد حاكما يقطع يد سارق فقال: «سارق السر يقطع سارق العلانية».

ومن قديم عرف العرب حكم لقمان، وحكاها القرآن الكريم، واشتهر في الجاهلية بالحكم أكثم بن صيفي، وزهير بن أبي سلمى في قوله: ومن ومن إلخ. ورويت عن النبي

صلى الله عليه وسلم

في الإسلام حكم كثيرة مثل: «اليد العليا خير من اليد السفلى - وما أملق تاجر صدوق - خير المال عين ساهرة لعين نائمة - رأس العقل بعد الإيمان مداواة الناس» إلخ ... كما اشتهر في الإسلام الأحنف بن قيس، والحسن البصري، فلهما حكم كثيرة مشهورة.

ولما نقلت الثقافات الأجنبية إلى العرب نقلوا الحكم أيضا، وعنوا بها، واستساغوها أكثر مما استساغوا الفلسفة؛ لأنها أقرب إلى عقول الأوساط، وهي أشبه ما تكون بالأمثال التي اعتادوها، كالذي نرى في كتاب «جاويدان خرد»، الذي نشر حديثا باسم «الحكمة الخالدة»، والذي عربه قديما الحسن بن سهل، وأبو علي مسكويه، وقد اشتهر بعد الذين ذكرناهم بالحكم عبد الله بن المقفع في كتبه «الأدب الصغير، والأدب الكبير، والدرة اليتيمة».

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨١