تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأليفاته الكثيرة التي تخلد ذكره. (2)

عنايته بتقعيد القواعد، ووضع الكليات التي تبين مذهبه، ولعل بؤسه وفقره كانا يمنعانه من القدرة على العلم والتأليف، فهو لم يجد رواجا لبضاعته فأتلفها.

هذا عضد الدولة يحن عليه بمائة دينار، وماذا تفعل المائة في أكل وشرب وأجرة بيت تجمعت عليه منذ شهور؟ ويوسط أبا حيان عند ابن سعدان لعطفه عليه، فيعد ثم يتلكأ، على أن الأمر شأنه كشأننا في زماننا، بعض الناس ليست له قدرة على التأليف، ولكن له قدرة على تكوين الرجال بحسن أحاديثه، وبعض الرجال يربي الأجيال القادمة بحسن تأليفه، ولله في خلقه شئون.

يقول الأستاذ مدكور: «وقد عرض الباحثون في القرن الرابع الهجري، وعدوه العصر الذهبي في تاريخ الدراسات العقلية الإسلامية، فاستقام لعلم الكلام أمره، بعد محنة خلق القرآن، واسترد اعتباره على يدي الأشعري، وسما التصوف إلى القمة، فانتقل من النسك والزهادة، إلى شرح أحوال النفس، ومقامات العارفين، والقول بالاتحاد، ونزول اللاهوت في الناسوت، كما كان يذهب الحلاج، وأخذت الفلسفة الإسلامية تستكمل أسسها ومبادئها بما أضافه إليها الفارابي من عمق وتحديد، وتوفيق وتنسيق، وبلغ الطب غايته، فلم يقف عند ما دونه بقراط وجالينوس، بل شاء الرازي أن يغذيه بتجاربه الشخصية، ودرسه المستقل، وخطا الفلك والرياضة خطوات فسيحة، ويكفي أن يذكر البيروني ومؤلفاته للتدليل عليهما».

ويمكن أن يقال بوجه عام: إذا كان المسلمون في القرنين الثاني والثالث للهجرة، قد شغلوا بنقل العلوم الأجنبية وتفهمها، فإنهم كانوا في القرن الرابع يدرسون بأنفسهم لأنفسهم، وانتقلوا من الجمع والتحصيل إلى الإنتاج الشخصي، وقد استوعبت ترجمتهم آثار الثقافات الأخرى، الفلسفية، والعلمية الهامة، على اختلافها؛ من يونانية، وفارسية، وهندية، وإذا قصرنا حديثنا على الفلسفة، أمكننا أن نلاحظ أن العرب إلى جانب ما وصلهم من شذرات عن الفلاسفة السابقين لسقراط، ترجموا أهم المحاورات الأفلاطونية، وهي الجمهورية والنواميس، وطيماوس، والسوفيسط، وبولوطيقي، وفادن، ودفاع سقراط، وكانت العناية بأرسطو بالغة، فبحثوا عن مؤلفاته، وترجموها في عناية تامة، وتوفر لهم بها عدد غير قليل، وخلط بها بعض مؤلفات موضوعة نسبت إليه خطأ.

ولكي يفهم المعلم الأول فهما حقا، كان لا بد لهم أن يستعينوا بشراح من المشائين الأول، كفاوفراسطس، والإسكندر الإفروديسي، وقد ترجم لهما أكثر من شرح، وخاصة الثاني الذي كان له أثر واضح في بعض النظريات الفلسفية الإسلامية، وكان ابن سينا يعتد بآرائه اعتدادا كبيرا، ويسميه «فاضل المتأخرين»، وإلى جانب الإسكندر هذا ينبغي أن نضع شراح مدرسة الإسكندرية، وفي مقدمتهم فورفوريوس، وساميسقيوس، وسميليقيوس، ويحيى النحوي، فترجم كثير من شروحهم، وكان أكثرهم في العالم الإسلامي أشد عمقا، أحيانا من أثر المشائين الأول.

نقلت هذه الكتب والشروح إلى العربية، وتداولها مفكرو الإسلام فيما بينهم، وكثر تداولها، ومناقشاتها، والتعليق عليها في القرن الرابع الهجري» ا.ه.

وأزيد على ذلك فأقول: إن عنايتهم في القرن الرابع بالعلوم الدينية واللغوية كانت أقوى من عنايتهم بالعلوم الرياضية، والفلسفية لسببين:

الأول:

أن الباعث على العلوم الدينية كان دينيا، وهو أقوى من الباعث على الفلسفة، وعنايتهم بالعلوم اللغوية؛ لأنها تخدم الدين أولا، ولأنها أثر من آثار أسلافهم، ونتيجة لبيئاتهم.

والثاني:

أن المستعدين للتفلسف، والصبر على لغة الفلسفة، وفهم غوامضها، والتفكير في موضوعاتها أقل في كل أمة من الباحثين في اللغة والدين؛ لأن الفلسفة لا تناسب إلا الخاصة.

وهنا يصح لنا أن نتساءل: هل الفلسفة الإسلامية أصيلة، أم هي ترديد للفلسفة اليونانية؟ لقد اختلف المستشرقون في هذا اختلافا كبيرا، فذهب بعضهم إلى الرأي الأول، منهم الفيلسوف «تنمان»، فقد قال: «يكاد يكون أرسطو مع شراحه هو الذي استرعى أنظار العرب، وقد تلقوا جملة ما ألفه أرسطو، ولكنهم تلقوها على الحقيقة عن تراجم ناقصة جدا، بواسطة خادعة هي المذهب الأفلاطوني الحديث؛ ولكن وقفت في سبيل تقدمهم في الفلسفة عدة عقبات، وهي: (1)

ظهر الإسلام · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٨٠