تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من عور موحش ومن برص

وبابنه مثل ما بوالده

وهذه قصة من القصص

وكان فقيرا يمده عضد الدولة من الحين بعد الحين بنفحة قليلة مالية يسد بها رمقه، وكان مما يثار في مجلسه مثلا موقف الناس من الوحي ومن العقل، فيقول: «إن أساس الأديان أن الله تعالى شاء أن يتصل بخلقه عن طريق رسله، فأوحى إليهم بتعاليم الدين، علما منه بقصور العقل البشري، وضيق مجاله، فالعقل يستطيع إدراك المادة وقوانينها، ولكن لا يستطيع إدراك ما وراء ذلك من عالم الغيب، وهذا هو ما بينه الأنبياء».

وكان في أيام أبي سليمان أربع نزعات حول هذا الموضوع؛ نزعة تحكم العقل في الدين، كما فعل زيد بن رفاعة، ومحمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفاء، ونزعة تحكم الدين في العقل والفلسفة، فيعرضون نظريات الفلسفة على الدين، فما وافق منها الدين قبل، وإلا رد، وذلك شأن كبار المتكلمين، ونزعة ثالثة آمنت بالفلسفة، وأرادت أن تؤمن بالدين، فأولت الدين على وفق الفلسفة، كالكندي والفارابي، ونزعة رابعة تفصل بين الدين والفلسفة، فلكل منطق ونفوذ، مثل: أبي سليمان هذا، فقد قال: إن منهج الدين يخالف منهج الفلسفة ... إلى آخر ما قال، وكثيرا ما كانت تثار في مجلس أبي سليمان مسائل نفسية، كالبحث في النفس، وأن الإنسان جسم ونفس، وهما عنصران متباينان، فالجسم له أبعاد ثلاثة، والنفس لا أبعاد لها، وهي جوهر بسيط لا يجزأ، ولا يدرك بحاسة من الحواس الخمس، ولا يعتريه فتور، ولا ملال، وهي تخالف الجسم في قبولها للصور المختلفة من جنس واحد في وقت واحد، والإنسان يريد أن يعرف النفس، ولكن لا يعرف النفس إلا بالنفس.

ويقول أبو حيان: إن أبا سليمان كان إذا تكلم في النفس أفاض، وأتى بالعجب العجاب، ويتكلم أحيانا في الأخلاق بانيا تحديدها وموضوعاتها على معرفته الواسعة بالنفس، ويتكلم أحيانا في السياسة، ككلامه عندما شكا ابن سعد أن الوزير البويهي شكا من كثر كلام الناس في السياسة، ومحاولتهم معرفة كل صغيرة وكبيرة يضعها الوزراء والأمراء، فرد على ذلك ردا لطيفا، ومن مثل ما حكى أمامه من أن كسرى لما تقلد الملك عكف على الصبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها: «إن في إدمان الملك ضررا على الرعية، ونرجو تخفيف ذلك، والنظر في أمر المملكة»؛ فوقع كسرى على نفس الرقعة: «إذا كانت سبلنا آمنة، وسيرتنا عادلة، والدنيا باستقامتنا عامرة، وعمالنا بالحق عاملون، فلم نمنع فرحة عاجلة؟»، فعلق أبو سليمان على هذا الخبر: لقد أخطأ كسرى من وجوه، أولا: أن الإدمان إفراط، والإفراط مذموم. ثانيا: أنه جهل أن أمن السبل، وعدل السيرة، وعمارة الدنيا، والعمل بالحق ما لم يوكل بها الطرف الساهر، ولم تحط بالعناية التامة، ولم تحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام، دب إليها النقص. وثالثا: أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب، والتلذذ والتمتع، فإن في تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها، ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرا. ورابعا: أن الخاصة والعامة إذا وقف على استهتاره باللذات، وانهماكه في طلب الشهوات، قلدته وقلت هيبتها وحشمتها منه، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة، والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قط». يقول أبو حيان: وكان أبو سليمان إذا تكلم في السياسة عجب سامعوه منه، وسألوه أن يؤلف لهم فيها.

وقد حلل في «المقابسات» أخلاق عضد الدولة تحليلا دقيقا، يدل على العلم والجرأة، ويقول أيضا: «إنه كان يأتيه أصحابه بالصفحة من كلام الصوفية أو كلام اليونان، ثم يملي من عنده خيرا منها، ومع هذا كله فكان مشغوفا بسماع الغناء، وكان يخرج بعض أيام الربيع إلى البساتين مع بعض أصحابه، ومعهم مطرب أو مطربة».

على كل حال، كان أبو سليمان شخصية ممتازة تركت دويا كبيرا في محيطه، وفي زمنه، وكان بيته مقصد العلماء ليلا ونهارا، يقرأ عليه أبو حيان كتاب «النفس» لأرسطو، ويعرض عليه علماء آخرون ما غمض عليهم، وفي ظني أنه أقدر من ابن سينا، والفارابي، وابن رشد، وأمثالهم، وأن له ميزة عليهم ، هي اعتماده على تفكيره أكثر من اعتماده على النقل، ولكن كان ينقصه أمران: (1)

ظهر الإسلام · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٧٩