وهذا هو الذي ساد عقول كثير من المسلمين منذ خنق الاعتزال، فاحترمت نصوص الكتب أكثر مما احترم نقد العقل، واحترم العالم واسع الاطلاع بالنصوص الدينية واللغوية، أكثر مما احترم قليل الحفظ واسع أفق العقل، وأكرم العالم المقلد أكثر مما أكرم العالم المجتهد، ونظر إلى المحدث والفقيه بخير مما نظر إلى الفيلسوف والمفكر الناقد، وضاقت دائرة التفلسف إذا قيست بدوائر العلم في الفروع الأخرى.
كل هذا وأكثر منه كان نتيجة لهذه الحركة، وأعتقد أن الأتراك في ذلك العصر مسئولون لدرجة كبيرة عن هذا؛ فطبيعة عامتهم لا تقبل الجدل الكلامي، ولا كثرة المذاهب الدينية؛ فالأتراك في جميع عصورهم قل أن نرى منهم من اعتنق مذهبا في الأصول غير مذهب أهل السنة، وفي الفروع غير مذهب أبي حنيفة، وقل أن نرى بين علمائهم خصومة في المذاهب كالتي كنا نراها في العراق من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة ونحو ذلك، إنما هو مذهب واحد يسود - غالبا - ويتوارث، ومع هذا فلسنا ننكر أن فيهم أفذاذا في سعة النظر وقوة التفكير - كما سيأتي بيانه - ولكن هذا هو النظر العام. (2)
الإيقاع بالشيعة إيقاعا بالغا؛ ففي سنة 236ه «أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه؛ فنادى بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق. فهرب الناس وتركوا زيارته، وخرب وزرع. وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أن يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة، ويكشف رأسه وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين. يحكي بذلك علي - عليه السلام - والمتوكل يشرب ويضحك»،
55 «وقيل: إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء - المأمون والمعتصم والواثق - في محبة علي وأهل بيته، وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي، منهم علي بن الجهم الشاعر الشامي ... وعمرو بن فرج الرخجي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة ... وابن أترجة، وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذي يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان، فغطت هذه السيئة جميع حسناته».
56
ورووا أن المتوكل كان قد اتصل به يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت، فسأله المتوكل: أيما أحب إليك، المعتز والمؤيد - ابنا المتوكل - أو الحسن والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين - عليهما السلام - بما هما أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات.
57
وهذه الحوادث وأمثالها في التنكيل بالشيعة قد كان لها مثيل من قبل في العهدين الأموي والعباسي الأول، إلا أنا نريد أن نثبت هنا أن سلطان الأتراك لما ظهر صحبه عودة التنكيل بالشيعة، وكان قد هدأ في عهد المأمون والمعتصم والواثق.
وهذه الظاهرة أيضا لازمت الأتراك طول عهدهم، فكل تاريخهم مملوء بكراهيتهم للتشيع والشيعة، وبالحروب المتصلة بينهم - وهم سنيون - وبين الفرس - وهم شيعة.
وكان تصرف المتوكل مع الشيعة سببا كبيرا من أسباب تدبير الشيعة للمؤامرات والدسائس، والفتن للخروج على الدولة العباسية في بغداد، وإقامة حكومات شيعية مستقلة عن خلفاء العراق كما سيأتي. (3)
المظهر الثالث: اضطهاد اليهود والنصارى؛ فقد «أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير، وركوب السروج بركب الخشب، وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونهما الثوب الظاهر عليه، وأن تكون إحدى الرقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلف ظهره، وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر أربع أصابع ولونها عسليا، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسل، ومن خرج من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في إزار عسلي ... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعا صير مسجدا، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدا، صير فضاء، وأمر بأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري فيها أحكامهم على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في مكاتب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض؛ لئلا تشبه قبور المسلمين وكتب إلى عماله في الآفاق بذلك».