تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون

وقال:

والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة . وقال:

لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه . فقال زعيم البغال: أيها الملك، ليس في شيء مما قرأ هذا الإنسي دلالة على ما زعموا أنهم أرباب ونحن عبيد؛ إنما هي آيات تذكار بنعمة الله عليهم، فقال: سخرها لكم، كما قال سخر الشمس والقمر، والسحاب والرياح. ووقف الثعبان يتحدث عن الحشرات والهوام، وقال: إن أكثرها صم بكم عمي، بلا يدين ولا رجلين، ولا جناحين، ولا منقار ولا مخلب، ولا ريش على أبدانها، ولا شعر ولا وبر ولا صوف، وإن أكثرها عراة حفاة، ضعفاء فقراء مساكين، بلا حيلة ولا حول ولا قوة؛ ومع ذلك فالإنسان هاجمها حيث كانت، وقتلها أينما وجدها. ورق قلب الثعبان، فدمعت عيناه من الحزن ... وهكذا أنطق مؤلف الرسالة قول زعيم كل صنف باتهام الإنسان بالظلم والعنت.

وكان قد حضر في المحاكمة وفود من الأمم، وتطرق من هذا بإنطاق زعيم كل أمة، ويجعل الجني يعقب على قول زعيم الأمة بما في تعداد مفاخرها بتعداد معايبها، ويندمج في ثنايا هذه المحاكمة طرف لطيفة في الفلسفة، وطبائع الحيوان.

ومن الأسف أن المحاكمة لم تنته إلى حكم، بل كانت مفاوضات لا نتيجة لها، واتهامات لا غاية لها ... وهي تستحق القراءة لما فيها من المتعة الفنية والفكرية.

23

وقد ألف إخوان الصفاء رسائلهم كلها بالعربية، وإن كان بعضهم فارسيا صميما، شأنهم في ذلك شأن ابن سينا الفارسي، والفارابي التركي، وعلي بن رين من مازندران بطبرستان، وكما فعل محمد بن زكريا الرازي، وهو من الري قرب طهران، والسبب في ذلك أن العربية أصبحت لغة العلم، والفلسفة كاللاتينية، بالنسبة للغات الأوروبية الحديثة، ولأن اللغة العربية أطوع في الصياغة، وأكثر مرونة في الاشتقاق، وأقدر على الاصطلاحات، كما أوضح ذلك البيروني في بعض كتبه.

وهناك جماعة أخرى كانت في بغداد أيضا، كان على رأسها الأستاذ الكبير أبو سليمان المنطقي، وكانت في بغداد بجانب فرع إخوان الصفاء، ولم يكن منهجها كمنهج إخوان الصفاء، فلم يكونوا رجال دعوة وتبشير، ولا ذوي مطامع ومطامح، وإن لم يكونوا يؤلفون رسائل أو كتبا، إنما كل همهم أن يجتمعوا في بيت رئيسهم للمتعة العقلية وكفى. ويجتمع في بيت الرئيس كثير ممن ينتسب من أهل الحكمة والفلسفة من مسلمين، ووثنيين، ونصارى، ويهود، مثل: ابن زرعة، وابن الخمار، وابن السمح، والقومسي، ومسكويه، ويحيى بن عدي، وعيسى بن علي، وأبي حيان التوحيدي، وغيرهم.

وكان أبو سليمان هذا رئيسهم، وجامع شملهم، يثيرون المسائل في مجلسه حيثما اتفق من سياسية، واجتماعية، ولغوية، ودينية، وكل يبدي رأيه، والكلمة الأخيرة لأبي سليمان.

وقد دون أبو حيان محاضر بعض هذه المجالس في كتابه «المقابسات»، ويصف أبو حيان هذا الرئيس بقوله: «كان أبو سليمان أدقهم نظرا، وأقعرهم غوصا، وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة؛ ولكنه ناشئة من العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز». وهذا تحليل دقيق من أبي حيان لشخصية أبي سليمان؛ فهو قوي الفكر، ألكن العبارة، وهو يعتمد على قوة عقله، أكثر مما يعتمد على النقل من المؤلفات، وهو واثق بصدق رأيه، أكثر مما يثق بما يقول غيره، وهو بخيل بعلمه، لا يذكر بعضه إلا للخاصة إذا دعت الدواعي، ولعل من بخله بعلمه قلة تأليفه، وقد دعته الدواعي أن يقيم رهين بيته، فهو أعور العين، مصاب بالبرص، مشوه الخلق، يقول فيه الشاعر:

أبو سليمان عالم فطن

ما هو في علمه بمنتقص

لكن تطيرت عند رؤيته

ظهر الإسلام · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٧٨