تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهم يبخسون الجسم حقه، ويقولون: إن الإنسان في الحقيقة هو النفس، أما الجسم فثوب ظاهري، والمثل الأعلى للرجل الكامل أن يكون «فارسي النسب، عربي الدين، عراقي الأدب، عبراني المخبر، مسيحي المنهج، شامي النسك، يوناني العلم، هندي البصيرة، صوفي السيرة، ملكي الأخلاق، رباني الرأي، إلهي المعرفة».

21

ورأوا أن البيئة الطبيعية والاجتماعية تؤثر في الإنسان، فاختلاف لغات الإنسان، وألوانهم، وأخلاقهم، وصورهم متأثرة ببيئتهم، وأن الأجرام السماوية من ضمن البيئة، فهي تؤثر في الأقطار المختلفة تأثيرا مختلفا، وخصوصا الشمس، ومن أجل هذا كان بعض الأقاليم، وهو الإقليم الرابع الأوسط هو إقليم الأنبياء والحكماء؛ لأنه وسط بين الثلاثة الجنوبية، والثلاثة الشمالية، وأهل الأقاليم الأخرى ناقصون عن طبيعة الأفضل.

ولهم في المرأة رأي سيئ، وأن لهن وظيفتين فقط، الإنسال، وأن يكن أزواجا للذين لا يستطيعون التعفف، وعلى الجملة وظيفة المرأة أن تطيع زوجها، وتقر في بيتها وتتعفف، وهي لا تصلح للنظر في العلوم، ولا للتفكير في أمر الدين، وقالوا: «اعلم يا أخي أن هذا الرأي والاعتقاد جيد للنساء والصبيان، والجهال والعوام، ومن لا ينظر في حقائق العلوم لا يعرفها».

22

ويقولون في موضع آخر: «ولا يليق بالعقلاء أن يعتقدوا هذه العقائد فضلا عن الحكماء، بل النساء والجهال والصبيان»، وربما كان ما نراه في لزوميات أبي العلاء من الحملة على المرأة وفسادها، وطلب قصرها على منزلها دون القراءة والكتابة، ورميها بالاعتقاد في الخرافات والأوهام؛ نتيجة للقسم الأول من حياة أبي العلاء، حينما كان على الأرجح يدين بتعاليم إخوان الصفاء.

ثم إنه من أروع رسائلهم رسالة «الحيوان والإنسان»، فقد استغلوا الرمزية على نمط كتاب «كليلة ودمنة»، وكالوا للإنسان الشتائم أشكالا وألوانا، وخلاصة هذه الرسالة أنه انعقدت محكمة لمحاكمة الإنسان أمام محكمة الجن، اتهم فيها الإنسان ببطشه وظلمه، فالإنسان أول أمره كان يأوي في رءوس الجبال والتلال، وفي المغارات والكهوف؛ خوفا من كثرة السباع والوحوش، وكان يأكل من ثمر الأشجار، وبقول الأرض، وحبوب النبات، ويستتر بأوراق الشجر من الحر والبرد، ثم تحضر فبنى المدن والقرى والقصور، ثم أخذ يسخر الأنعام من البقر والغنم والجمال، ومن الخيل والبغال والحمير، وقيدها وألجمها، وصرفها في مآربها من الركوب والحمل، وأتعبها في استخدامها، وكلفها أكثر من طاقتها، ومنعها من التصرف في مآربها؛ بعد أن كانت حرة في الجبال والآجام والغياط، تذهب وتجيء حيثما أرادت في طلب مراعيها، ومشاربها، ومصالحها.

وشمر ابن آدم في طلبها بأنواع من الحيل، والقنص، والشباك، والفخاخ، واعتقد أنها عبيد له، هربت منه، وخلعت الطاعة وعصته.

واتفق أن ولي أمر المسلمين من الجن يقال له: بيراشست الحكيم، وحدث أن طرحت العاصفة في وقت من الأوقات مركبا من سفن البحر إلى ساحل الجزيرة التي يسكنها هذا الملك، وكان في المركب قوم من التجار والصناع وأغنياء الناس، فخرجوا إلى تلك الجزيرة، وفتنوا بما فيها من الفواكه والبقول والرياحين، وصادقوا ما فيها من البهائم والطيور، والسباع والوحوش، والهوام والحشرات، في ألفة لا يشوبها تنافر ولا شقاق.

واستطاب الناس المقام في تلك الجزيرة، وأخذوا يتعرضون لما فيها من الحيوانات؛ ليسخروها فيركوبها، ويحملوا عليها أثقالهم، فنفرت منهم وهربت، فخرج الناس في طلبها لاعتقادهم أنها عبيد خرجت عن طاعتهم، فلما رأت الحيوانات رغبة الإنسان في استبعادها، جمعت زعماءها وخطباءها، وذهبت إلى ملك الجن، وشكت إليه ما لقيت من جور بني آدم، فعقدت المحاكمة، وتكلم زعيم كل صنف من أصناف الحيوانات، باتهام الإنسان بظلمه وعنته، فدافع الإنسان أول الأمر بأن الله تعالى أباح له ذلك، فقال:

ظهر الإسلام · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٧٧