وفي المنطق ساروا على مذهب فورفوريوس مؤلف إيساغوجي، وقلما زادوا فيه شيئا من عندهم، فعندهم الألفاظ الخمسة التي وضعها، وهي: الجنس، والنوع، والفصل، والخاص، والعرض العام، غير أنهم زادوا عليها لفظا سادسا وهو الشخص، وقالوا: إن الجنس والنوع والشخص تدل على الأعيان، وأما الفصل والخاصة والعرض فتدل على المعاني، وعرضوا في المنطق للمقولات العشر، أولها الجوهر، والتسعة الأخرى أعراض له، وقالوا: إن هناك مناهج منطقية، وهي: التحليل، والحد، والبرهان، فالتحليل منهج المبتدئين؛ لأنه يوضح الأمور الجزئية المحسوسة، أما الحد والبرهان، فبهما تعرف الأشياء المعقولة، وقالوا: إن كل شيء في هذا العالم إما أن يكون هيولي أو صورة، وهيولي الأشياء كلها واحدة، وإنما تختلف بالصورة، وهذا الكلام أشبه بما يقوله العلماء المحدثون من أن ذرات الأشياء كلها واحدة، وأنها عبارة عن كهربائية موجبة وسالبة، وأن الخلاف بينها خلاف في الكمية لا في الكيفية، فذرات النحاس مثل ذرات الحديد، مثل ذرات الذهب، فلو أضفنا إلى ذرات النحاس ما ينقصها عن ذرات الذهب كانت ذهبا، ولذلك قال إخوان الصفاء بإمكان تحويل المعادن إلى الذهب، وهو الذي يسمونه كيمياء.
وأفاضوا طويلا في النفس الإنسانية، لأنهم كانوا يعتمدون عليها، وقالوا: إنها فيض صادر عن النفس الكلية، ونفس الطفل في أول أمرها كصحيفة بيضاء، تتناول المعلومات عن طريق الحواس الخمس، وتجمعها، فإذا كبر دفع هذه المعلومات إلى القوى المفكرة، ثم إلى الحافظة، والقوة التي تعبر عن النفس بالألفاظ تسمى القوة الناطقة، وللإنسان قوى خمس باطنة تساوي قوى الجسم الخمس الظاهرة، وهي المتخيلة في الأمام، ثم المفكرة وسط الدماغ، ثم الحافظة في مؤخرة الدماغ، ثم الذاكرة، ثم القوة الناطقة.
وقد أكدوا أنهم متدينون؛ ولكن غايتهم فلسفة الدين، وتحصيل كل المعاني، قالوا: «وبالجملة، ينبغي لإخواننا - أيدهم الله - ألا يعادوا علما من العلوم، أو يهجروا كتابا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم كلها».
19
ولذلك يصح أن تعدهم مسلمين؛ ولكنهم مسلمون متسامحون لا بأس أن يأخذوا من اليهودية والنصرانية والوثنية، كما يصح أن يأخذوا من السنية والشيعة، وكلما قدر الإنسان على مزج العلم بالفلسفة بالدين كان أرقى، فإذا بلغت النفس منتهاها، كانت في مصاف الملائكة المقربين، وصار مقامها فوق دين العامة الموروث، وفوق الرسوم، والصور الحسية، وهم يرون أن الصور الحسية التي صورها القرآن من نعيم في الجنة، وما فيها من حور عين، وأنهار من عسل مصفى، وأن أهلها على الأرائك متكئون، وما في النار من عذاب، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ونحو ذلك، إنما هي صورة رمزية، وأن هناك دينا عقليا فوق الأديان كلها، وأن الاعتقاد أن الله يغضب ويعذب بالنار أمور لا يقبلها العقل، وأن النفس الجاهلة تلقى جهنمها في هذه الدنيا، وأن النفس العاقلة تلقى جنتها في هذه الدنيا أيضا، وأن البعث هو مفارقة النفس للجسم، والقيامة هي مفارقة النفس الكلية للعالم، ورجوعها إلى الله.
20
وهم في الأخلاق يرون الدعوة إلى الروحانية، والزهد، والعمل يكون فاضلا إذا صدر عن الروية العقلية، وهم كالمتصوفة يرون أن أرقى أنواع الفضائل هي المحبة، وإذا بلغت غايتها فنيت في الله المحبوب الأول.
وتظهر على صورة الصبر والرضا عن جميع الخلق، وهذا الحب يطمئن النفس، ويحرر القلب، ويبعث على الرضا بكل ما في هذه الدنيا.
وهم يقولون كأرسطو بنظرية الأوساط؛ أي أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين، فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والاقتصاد المالي وسط بين البخل والإسراف، والعدل وسط بين الظلم والانظلام.