هذه على ما يظهر هي غايتهم، نشر علم ومعرفة لا حدود لهما، والعمل على ذلك بكل الوسائل، ثم إقامة حكومة على رأسها صفوة هؤلاء العلماء، ثم تطبيق هذا العلم والمعرفة على الحياة الفردية والاجتماعية العملية.
ثم للوصول إلى ذلك لا بد من سرية حتى يقووا، وتقية كتقية الشيعة، حتى لا يضطهدوا إلى أن يكون لهم السلطان، وفي يدهم الأمر.
وكان لهم الحق في ذلك، فمع سريتهم وتقيتهم، نقم عليهم، ورموا الزندقة من العلماء المتزمتين، وأحرقت رسائلهم في بغداد، ولكن علمنا الزمان أن اضطهاد الأفكار إرهاص للخلود.
ولنذكر الآن بعض آرائهم في فروع مختلفة، لقد أرادوا أن يلفقوا مذهبهم من كل المذاهب، إسلامية كانت أو نصرانية، أو وثنية، ولذلك كان من أنبيائهم نوح وإبراهيم، وسقراط وأفلاطون، وزرادشت وعيسى، ومحمد، وعلي ... إلخ. وهم يعتقدون أن الفلسفة أرقى من الدين، فقد حكى أبو حيان أنه ألح على المقدس أحد جماعة إخوان الصفاء في مسألة، فلما أحرج قال: «إن الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء»،
16
يريد بذلك أن الأنبياء يطبون المرضى حتى لا يزيد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية، أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض، ولا شك أن مدبر الصحيح خير من مدبر المريض، وبعبارة أخرى: إن ظاهر الشريعة إنما يصلح للعامة، أما الغذاء للنفوس القوية، فيكون بالنظر الفلسفي العميق.
وقالوا: «إن الجسم غايته الموت»،
17
ومعنى الموت عروج نفس الإنسان إلى الحياة الروحية الخالصة، وهذا إنما يكون لمن تفلسف في حياته الأرضية، أما من عاشوا في الأساطير والخرافات، فشأنهم شأن البهائم، وقد أخذوا هذا المعنى عن متأخري اليونان، وعن اليهود والنصارى، وعن مذاهب الفرس والهنود.
وهم يقسمون النشاط العقلي إلى علوم وصناعات، والعلم هو صورة المعلوم في نفس العالم، وأما الصناعة فهي إخراج الصانع الصورة التي في فكره، ووضعها في الهيولي، وعندهم أن المعرفة تأتي من طرق ثلاث: (1)
طريق الحواس الخمس، وهو أول الطرق، ومنه تنشأ جمهرة علوم الإنسان، وفي ذلك يشترك الناس كلهم. (2)
طريق العقل، وبه يتميز الإنسان عن سائر الحيوانات. (3)
طريق البرهان الذي ينفرد به قوم من العلماء دون قوم.
18
وعندهم أن النفس عند ولادتها لم تكن تعرف شيئا ألبتة؛ لقوله تعالى:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، ولا تعرف النفس شيئا إلا بتوسط الجسد، وهي نظرية تخالف نظرية أفلاطون التي تقول: «إن النفس كانت تعرف كل الأشياء قبل حلولها في الجسد، وإنما معرفتها في الدنيا تذكرها، فإذا رأت شيئا في عالمنا، تذكرت ما رأته في عالمها الأعلى قبل هبوطها إلى الأرض، واتصالها بالجسد». وعلى هذه النظرية جاءت عينية ابن سينا:
هبطت إليك من المحل الأرفع
ورقاء ذات تدلل وتمنع
ويجب على الإنسان في نظرهم ألا يحصل المعارف مرة واحدة، بل على دفعات؛ لأن بعض المعارف أصعب من بعض، والنفس لا تستطيع الارتقاء في مدارج معرفة الله، معرفة صحيحة، إلا بالزهد، والانصراف عن الدنيا، والقيام بالأعمال الصالحة.
وعندهم أن يبتدئ المعلم بعلوم اللغة واللسان والأدب فتلك أسهل، ثم يتلقى علوم الدين، ومذاهب الكلام، فإذا أتقن ذلك درس الفلسفة مبتدئا بالرياضيات، وأصحاب إخوان الصفاء يعرضون للرياضيات على طريقة الهنود تارة، وعلى مذهب فيثاغورس الجديد مرة أخرى، مع الإمعان في الرموز، وتقديس بعض الأعداد، كعدد 7، ومن أجل ذلك كانت حروف الهجاء ثمانية وعشرين؛ لأنها حاصل ضرب 4 × 7.
واعتقدوا في الكواكب أنها أجسام نورانية عاقلة كمذهب اليونانيين القدماء، وأنها أرقى في عقلها من الإنسان، وأن للنجوم تأثيرات قوية في العالم الأرضي، وهذه النجوم تؤثر أحيانا بالسعد، وأحيانا بالنحس، فالمشترى والزهرة والشمس تؤثر أحيانا بالسعد، وأحيانا بالنحس، فالمشترى والزهرة والشمس تؤثر بالسعد، وزحل والمريخ والقمر تؤثر بالنحس، وعطارد يؤثر بالنحس والسعد جميعا، وطول أعمار الناس، أو قصرها خاضع لهذه التأثيرات إلخ إلخ. وهذه هي عقائد القرون الوسطى، طال فيها الجدل إلى يومنا هذا.