تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هل لهم غاية سياسية؟

الذي يظهر لي أنهم أومأوا إلى انحلال الدولة العباسية، وعدم صلاحيتها، إذ قالوا في إحدى رسائلهم: «إن كل دولة لها وقت منه تبتدئ، وغاية إليها ترتقي، وحد إليه تنتهي، فإذا بلغت إلى أقصى غاياتها، ومنتهي نهاياتها، تسارع إليها الانحطاط والنقصان، وبدا في أهلها الشؤم والخذلان، واستأنف الآخرون «المعارضون» القوة والنشاط، والظهور والانبساط ... هكذا حكم الزمان في دولة أهل الخير، ودولة أهل الشر، تارة تكون الدولة والقوة، وظهور الأفعال في العالم لأهل الخير، وتارة تكون لأهل الشر، وقد نرى أنه قد تناهت دولة أهل الشر، وظهرت قوتهم، وكثرت أفعالهم في هذا الزمان.

وليس بعد الزيادة إلا الانحطاط والنقصان، واعلم يا أخي أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قوم علماء، حكماء، خيار، فضلاء، يجمعون على رأي واحد، ويتفقون على مذهب واحد، ودين واحد، ويعقدون بينهم عهدا وميثاقا ألا يتجادلوا، ولا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضا، بل يكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في جميع تدبيرهم، فيما يقصدون من نصرة الدين، وطلب الآخرة، لا يبتغون سوى وجه الله، فهل لك في أن ترغب في صحبة إخوان لك نصحاء هذه صفتهم؟».

10

وقد حكوا مرة أنهم يؤملون «تجديد ملك في المملكة، وانتقال الدولة من أمة إلى أمة، ويشيرون إلى أنه وقع اختيارهم على رجل تتحقق فيه الشروط، ولكن لم يتم مرادهم».

11

وأظن أنهم يشيرون بذلك إلى عضد الدولة ابن بويه، فقد اتسع ملكه في زمان إخوان الصفاء، وارتقب الناس زيادة سلطانه، فلا يبعد أن يكون هو أملهم، وهو يحقق غرضهم، من نواح متعددة، فهو شيعي معتدل، لا كالفاطميين في مصر، فإنهم شيعة متطرفون، وهو واسع الاطلاع في اللغة والأدب والفلك، حتى كان يناقش أستاذه أبا علي الفارسي في النحو، فيفحمه، وهو يشارك في العلوم الأخرى، وهو رجل فيه جوانب خير كثيرة، بنى مستشفى، وأنفق عليه أموالا طائلة، وهو الذي يقول فيه المتنبي لما قصده:

وقد رأيت الملوك قاطبة

وسرت حتى رأيت مولاها

ومن مناياهم براحته

يأمرها فيهم وينهاها

وفيه يقول:

فقلت إذا رأيت أبا شجاع

سلوت عن العباد وذا المكان

فإن الناس والدنيا طريق

إلى من ماله في الناس فاني

ويقول فيه آخر:

لقيته فرأيت الناس في رجل

والدهر في ساعة والأرض في دار ... إلخ.

ولكن مع هذا المجد كله كانت له هنوات ربما جعلته في نظر إخوان الصفاء أخيرا ليس المثل الأعلى للملوك.

من كل ذلك نستنتج: (1)

أنهم يعتقدون أن دولة زمانهم آخذة في الانحطاط، وأنها صائرة إلى الزوال، وهي الدولة العباسية التي تسيطر في زمنهم على البصرة وما حولها. (2)

أنهم يرتقبون حكومة تشبه الحكومة التي دعا إليها أفلاطون فيما مضى، من تولية الفلاسفة، فهم عقلاء الأمة، ويجب أن يكونوا حكامها. (3)

يظهر أيضا أنهم ليسوا راضين عن حكومة الشيعة الفاطميين؛ لأن لهم بعض عقائد فاسدة في نظرهم، كالإمام المختفي، ولجور بعضهم كبعض الخلفاء العباسيين.

يستنتج من كل ذلك أنهم يريدون حكومة عادلة كل العدل، يكون على رأسها علماء صلحاء، أخيار، يتخذون العدل فيها عليهم وعلى أتباعهم، وهم في كل مناسبة يشيدون بذكر العلم والمعرفة «والنظر في جميع الموجودات، والبحث عن مبادئها، وعلة وجدانها، ومراتب نظامها، والكشف عن كيفية ارتباط معلولاتها»،

12 «وأن عبادة الله ليس كلها صلاة وصوما، بل عمارة الدين والدنيا»،

13 «بل العبادة الشرعية ليست مقصودة لذاتها، بل هي إشارات إلى غاية قصوى»،

14 «والنجاة لا تكون بالعبادة والأخلاق فقط؛ بل بالإحاطة بالعلوم والمعارف أيضا».

15

فهم يتشددون في كل مناسبة في المطالبة بالعلم والمعرفة، فمذهبهم الأساسي العلم والمعرفة أولا؛ لأنهم على مذهب سقراط في أن الفضيلة هي المعرفة، وهذه المعرفة ينشأ عنها جودة الأخلاق، وصلاح الدين والدنيا ... إلخ.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٧٤