تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهم عادة عندما يختمون رسالة يبشرون بموضوع الرسالة التي تليها، وفي أول كل رسالة ينوهون بالرسالة التي قبلها.

وذكروا أنهم بعد أن يتموا هذه الرسائل، سيذكرون رسالة ثانية وخمسين يضعون فيها خلاصة كل الرسائل، ويحلون فيها رموزها، ولكنها ليست مطبوعة في هذه الرسائل؛ إنما طبعت رسالة في الشام اسمها «الرسالة الجامعة»،

5

وقد نسبت إلى المجريطي الأندلسي، وقد وصلني منها الجزء الأول، ولما يصلني الثاني، وبقراءتي له تبينت أن هذه الرسالة الجامعة ليست للمجريطي هذا، وإنما هي الرسالة التي يعد بها إخوان الصفاء، فقد لخصوا فيها رسائلهم؛ وحلوا فيها رموزهم؛ وربما يتضح ذلك أكثر إذا قرأت الجزء الثاني.

ما الغرض من هذه الرسائل؟ أسياسي هو، أم شيعي إمامي، أم شيعي قرمطي، أم غير ذلك؟ احتار الباحثون عند إجابتهم على هذا السؤال - نعم: إن في بعض مواضعها إشارات إلى التشيع، ولذلك نسبها بعضهم إلى جعفر الصادق الإمام المعروف.

وقال الإمام ابن تيمية - في فتاويه عند الكلام على الباطنية الإسماعيلية: «إنهم يبنون قولهم على مذهب المتفلسفة، كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفاء»، ونرى فيها شواهد على هذا التشيع، مثل قولهم في أهل البيت: «وهذه الولاية المخصوصة لأهل بيت الرسالة، لا يحتاجون فيها إلى مدبرين غيرهم، وإلى علماء سواهم، ولا يطلع الناس على أسرارهم».

6

ويقولون في موضع آخر: «واعلم يا أخي أن البيت الذي فيه سر الخلافة، وعلم النبوة، هو البيت الذي وسموا أهله بالسحر العظيم؛ لما يظهر منه من الآيات، ويعلمونه من المعجزات، فلم يجد أعداؤهم حالا يضعون بها من منازلهم، لما عجزوا عن العمل بمثل ما يعملونه، وجهلوا العلم الذي يعلمونه، إلا أن قالوا: إنهم سحرة، وإن لهم أعوانا من الجن يمدونهم بذلك، وهيهات؛ حيل بينهم وبين ما يشتهون، إن هو إلا علم إلهي، وتأييد رباني، تنزل به ملائكه كرام كاتبون، وحفظة حاسبون، يلقونه بأمر الله، على من اصطفاه من خلقه، وارتضاه لخلافته في أرضه».

7

وفي موضع آخر أوردوا حديثا فيه تشيع مثل: «قيل: يا رسول الله، من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: نعم، من قالها مخلصا دخل الجنة. قيل له: وما إخلاصها؟ قال: معرفة حدودها، وأداء حقوقها. فقيل: يا رسول الله، ما معرفة حدودها، وأداء حقوقها؟ فقال: نعم، أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد ما في المدينة، فليأت الباب فيرشدهم إلى من يشرح لهم ذلك».

8

إلى كثير من أمثال ذلك، فكل من يقرأ مثل هذه النصوص، يفهم أنهم من الشيعة، خصوصا وأنهم قسموا أتباعهم طبقات كطبقات الشيعة، وأمروا دعاتهم أن يتلطفوا مع المدعو، وأن يخاطبوا كل مدعو بحسب ظروفه، شأن دعاة الشيعة.

ولكن نراهم في موضع آخر، ينكرون نظرية المهدي المنتظر، مع العلم بأنها أساس من أسس الشيعة، فكيف يكونون شيعة، وهم ينكرون ذلك؟ وقد عدوا من الآراء الفاسدة من يعتقد أن إمامه مختف خوف مخالفيه، قالوا: «واعلم أن صاحب هذا الرأي يبقى طول عمره منتظرا لخروج إمامه، متمنيا لمجيئه، مستعجلا لظهوره، ثم يفني عمره، ويموت بحسرة وغصة، لا يرى إمامه».

9

فهذا يقضي أنهم ليسوا بشيعة صرف.

ويؤيد ذلك أن الأستاذ السيد محسن العاملي صاحب أعيان الشيعة مع اجتهاده في ترجمة من ينسب إلى التشيع، قال عند الكلام عليهم: «وكيفما كان فلم يتحقق انتساب إخوان الصفاء إلى التشيع، ولا أنهم من موضوع كتابنا، وإنما ذكرناهم لنسبة بعض الناس لهم إلى ذلك».

ونستخلص من كل ذلك أنهم جماعة متخيرون، يتخيرون من كل دين ومذهب ما يناسب عقليتهم، لا يتورعون من اقتباس من النصرانية، واليهودية، ووثنيي اليونان، والفرس، والهند، وما يرون أنه معقول، فمن قال: إنهم سنيون سنية تامة فقد أخطأ، ومن قال: إنهم شيعة شيعة تامة فقد أخطأ، ولكنهم من غير شك ميولهم شيعية.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٧٣