وأما ابن الراوندي فلشهرته بالجرأة والزندقة.
وهذه الجمعية السرية وضعت لنفسها منهجا دقيقا، فكانت ترسل رسلها إلى من تتوسم فيهم الخير من كل البلاد، وتدعوهم إلى الدخول في جماعتهم، وتوجه اهتماما كبيرا إلى الشبان؛ لعلمهم أن الشبان أقرب إلى قبول الدعوة من الشيوخ، وأنهم بجانب ذلك أشد سواعد، وأقوى منة.
وهم يطلبون من أتباعهم في أي قطر يعينوا وقتا دوريا يجتمعون فيه، ويتذاكرون العلم، وشئون الإخوان، يقولون: «ينبغي لإخواننا - أيدهم الله - حيث كانوا من البلاد أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة، لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذاكرون فيه علومهم، ويتحاورون فيه أسرارهم، وينبغي أن تكون مذاكراتهم أكثرها في علم النفس ، والحس والمحسوس، والعقل والمعقول، والنظر والبحث عن أسرار الكتب الإلهية، والتنزيلات النبوية، ومعاني ما تضمنتها موضوعات الشريعة، وينبغي أيضا أن يتذاكروا العلوم والرياضيات الأربع، أعني: العدد، والهندسة، والتنجيم، والتأليف «الموسيقى».
3
وكانوا يرتبون أعضاء الجماعة مراتب أربعا حسب تفرقهم في القوى العقلية والسن، فالمرتبة الأولى هم الذين أتموا خمس عشرة سنة من العمر، فتنبهت فيهم القوة العاقلة، وهم يتميزون بصفاء جوهر النفس، وجودة القبول، وسرعة الميل إلى التصوف. والثانية: الإخوان الأخيار الفضلاء، وهم الذين بلغوا ثلاثين سنة، وميزتهم مراعاة الإخوان، وسخاء النفس، وإعطاء الفيض، والشفقة والرحمة، والتحنن على الإخوان. والطبقة الثالثة: الإخوان الفضلاء الكرام، وهم الذين بلغوا أشدهم، وبلغوا أربعين سنة، فتنبهت فيهم القوة الناموسية، الواردة بعد مولد الجسد بأربعين سنة.
والطبقة الرابعة: هم الذين بلغوا الخمسين، والمقصود من هذه الدرجة هو المقصود من جميع رياضات النفس، وفيها تبلغ النفس من القوة منزلة تشاهد فيها الحق عيانا، وتتصل بملكوت السماوات، وتدرك حقائق القيامة والبعث والحساب، ومجاورة الرحمن.
وهم ينصحون الرسل بنصائح دقيقة فيقولون: «ينبغي لإخواننا - أيدهم الله - حيث كانوا في البلاد إذا أراد أحدهم أن يتخذ صديقا مجددا، أو أخا مستأنفا أن يعتبر أحواله، ويتعرف أخباره، ويجرب أخلاقه، ويسأله عن مذهبه واعتقاده؛ ليعلم هل يصلح للصداقة، وصفاء المودة، وحقيقة الأخوة أم لا؟ ... وأن ينتقده كما ينتقد الدراهم والدنانير، والأرضين الطيبة التربة، للزرع والغرس، وكما ينتقد أبناء الدنيا في أمر التزويج، وشراء المماليك».
4
وكان أمامهم في تأليف هذه الرسائل منهجان: الأول: أن يكلفوا الأخصائيين بأن يجمع كل أخصائييهم مادة رسالته ومعلوماتها، ثم يكون المحرر واحدا، ولكن عيب هذه الطريقة أن المحرر ما لم يكن أخصائيا في العلم الذي يحرره لا يحسنه، فكيف يكتب في النجوم من لم يكن فلكيا. والمنهج الثاني: أن يكثر المحررون، فيكتب كل محرر رسالة أو أكثر في اختصاصه، ونرجح أن يكون المنهج الثاني هو الذي اتبعوه، بدليل اختلاف الأساليب، وبدليل تعدد الحكايات والإشارات، ولو كان المؤلف واحدا لأحال عليها ولم يعددها.
نقول هذا وإن كان الشهرزوري في كتابه «نزهة الأرواح» يقول: «إن ألفاظ رسائل إخوان الصفاء هي للمقدسي، فلا نظن ذلك صحيحا، فلو كانت لمؤلف واحد لم يكن فيها هذا التكرار المعيب».
ثم بنوا رسائلهم على الرموز، فالصلاة والزكاة، والصوم والحج، والبعث ويوم القيامة، ومحمد وعلي، وغير ذلك كلها رموز إلى أشياء معنوية.
وحملهم على كتابة هذه الرسائل أن لهم أتباعا متفرقين في البلاد يحتاجون إلى تعليمهم، ولو كانوا كلهم بينهم ما احتاجوا إلى ذلك، وألفوا على هذا النمط إحدى وخمسين رسالة، في الرياضيات، والإلهيات، والأخلاق، وغير ذلك، وكانوا عادة يتعاطفون مع القارئ، ويخاطبونه في رفق ودعة، ويخاطبونه دائما: بيا أيها الأخ، أو أيها الأخ الفاضل، ويدعون له، ويحببونه في المطالعة.