تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الوزير: هل رأيت هذه الرسائل؟ قال: قد رأيت جملة منها، وهي مبثوثة من كل فن، بلا إشباع، ولا كفاية، وهي خرافات، وكنايات وتلفيقات، حملت عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي، وعرضتها عليه، فنظر فيها أياما، وتبحرها طويلا، ثم ردها علي وقال: نقبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجروا، وحاموا وما وردوا، ظنوا أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة «التي هي علم النجوم، والأفلاك، والمقادير، وآثار الطبيعة، والموسيقى، والمنطق في الشريعة، وأن يربطوا الشريعة بالفلسفة، وهذا مرام دونه سدد، وقد تورك على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنيابا، وأحضر أسبابا، وأعظم أقدارا، وأرفع أقطارا، وأوسع قوى، وأوثق عرى، فلم يتم لهم ما أرادوه، ولا بلغوا ما أملوه، وحصلوا على لوثات قبيحة، ولطخات موحشة، وعواقب مخزية»، فيفهم من هذا النص: (1)

أن منهجهم ربط الفلسفة بالدين، وهو منهج لم يرتضه أبو سليمان؛ لأن للدين منطقه، وللفلسفة منطقها. (2) «أن قوما كانوا أحد منهم أنيابا، وأوسع منهم عقلا حاموا حول هذه الطريقة، ولم يفلحوا»، فلعله أراد بهم فحول المعتزلة، أمثال أبي هذيل العلاف، والنظام، والجاحظ، وأمثالهم. (3) «أنهم فشلوا كما فشل من قبلهم».

فعنده أن للدين منهجا، وللفلسفة منهجا آخر مخالفا له، فمنهج الدين مخاطبة المشاعر، مثل قوله تعالى:

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت .

أما منهج الفلاسفة، فيعتمد على المقدمات، والنتائج المنطقية، من مثل قولهم: العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، فالعالم لا بد له من محدث، فما أبعد الفرق بين المنهجين، والتوفيق بينهما هو الذي قصد إليه إخوان الصفاء.

ومن أكبر هذه الجماعة زيد بن رفاعة كما ذكرنا، وقد سئل عنه أبو حيان فقال: «هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ومتسع في قول النظم والنثر، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة، وحفظ أيام الناس، وسماع المقالات، وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن». وقد سئل أبو حيان عن مذهب زيد بن رفاعة هذا فقال: «لا ينسب إلى شيء، ولا يعرف برهط؛ لجيشانه بكل شيء، وغليانه بكل باب، ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه، وسطوته بلسانه، وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا، وصادف بها جماعة جامعة لأصناف العلم، وأنواع الصناعة». وهذا القول يبين مهارة إخوان الصفاء، وتبحرهم في علومهم، وعدم اقتصارهم على مذهب معين.

وقد ظن قوم أن من بين إخوان الصفاء هؤلاء أبا العلاء المعري، وأبا حيان التوحيدي، وابن الراوندي.

أما أبو العلاء فلأنه لما ذهب إلى بغداد رأى هناك مجمعا فلسفيا خاصا، يجتمع يوم الجمعة من كل أسبوع بدار عبد السلام البصري ، أمين مكتبة سابور بن أردشير. وهذا هو النظام الموضوع لإخوان الصفاء، فإن أتباعهم مأمورون أن يجتمعوا كل أسبوع للمدارسة والمذاكرة، فالمعقول أن يكون المجتمعون هم أتباع إخوان الصفاء، وقد قال أبوالعلاء نفسه:

تهيج أشواقي عروبة:

2

إنها

إليك زوتني عن حضور بمجمع

ويقول في موضع آخر:

كم بلدة فارقتها ومعاشر

يذرون من أسف علي دموعا

وإذا أضاعتني الخطوب فلن أرى

لوداد إخوان الصفاء مضيعا

خاللت توديع الأصادق للنوى

فمتى أودع خلي التوديعا

غير أننا نرى كلمة إخوان الصفاء هنا في أبيات أبي العلاء ليست تنطبق تماما على هؤلاء الجماعة؛ ولكنه وصف عام لكل أصدقائه وإخوانه، أما المجمع فلا نستبعد أنه هو مجمع فرع إخوان الصفاء، غير أننا نرى أن أبا العلاء قد قطع صلته بالعالم، وبالجمعيات منذ عاد إلى بغداد كسير النفس، كاسف البال، رهين المحبسين، وتدل عيشته بالمعرة بعد ذلك على نوع من المعيشة الانفرادية القاسية التي لا تسمح بأن يكون عضوا في جماعة.

وأما أبو حيان، فقد كان الظن أنه من هذه الجماعة؛ لأنه عرف بعض أسماء الجماعة الأصلية، وعرفنا بهم، ولأنه كإخوان الصفاء يؤلف في الصداقة، ويشيد بذكرها، شأن إخوان الصفاء، لولا أنه - كما رأينا - يعيب رسائل إخوان الصفاء بالتقصير والتلفيق، فهل هو يقول ذلك تقية، أو بناء على اعتقاد؟ ... لم نتأكد بعد من ذلك.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٧١