وكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر».
وفي هذا - كما ترى - أسس من الأسس التي بني عليها ابن طفيل قصته «حي بن يقظان»، وفلسفته ممزوجة بالتصوف والتقشف، وبالحياة الروحية، وهو متفائل مؤمن بالإنسان، ويكتب وصية في كتابه «الإشارات» يقول فيها: «إنه يجب صون هذا العلم - أي الفلسفة - وحفظه، وعدم إذاعته بين الناس»، ويقول: «إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحق، وألقمتك الحكم في لطائف الكلم، فصنه عن الجاهلين والمبتذلين، فإن أذعت هذا العلم أو أضعته، فالله بيني وبينك، وكفى بالله وكيلا».
وكان ابن سينا سياسيا عمليا، وفيلسوفا نظريا، وكان ناجحا في الفلسفة، فاشلا في السياسة، وهو يؤمن بخلود النفوس الفردية، وقد ألم بكل معارف عصره، وكتبه إذا رتبت كان منها دائرة معارف فلسفية. ولمع اسمه في الطب بصفة خاصة، وكان كتابه «القانون في الطب» معول الغربيين في جامعاتهم إلى عهد قريب، حتى إنه طبع باللاتينية ست عشرة مرة في القرن الخامس عشر، وعشرين مرة في القرن السادس عشر، وحلت كتبه في المشرق والمغرب محل كتب أرسطو، وقد اختلفت فلسفته عن فلسفة أرسطو في مسائل كثيرة، خصوصا ما لا يتفق من فلسفة أرسطو مع الإسلام، فإله أرسطو لا يعقل إلا ذاته؛ أما إله ابن سينا فيعقل ذاته، ويعقل الماهيات الكلية، كما يدرك الجزئيات، ولكن من حيث هي كلية، كذلك ألف في المنطق كتاب «منطق المشرقيين»، وخالف فيه أحيانا منطق أرسطو، ورد عليه، وهو يتبع الفارابي في المنطق، وفي نظرية المعرفة، وفي مسألة الكليات.
وعنده أن الأحداث الأرضية تتأثر بالأجرام السماوية، لا عن طريق الحرارة المنبعثة منها، وإنما عن طريق ما تشعه من الضوء، وهو في ذلك يقول ما تقول به الأفلاطونية الحديثة، وظل ابن سينا مؤثرا في الفلسفة في القرون التي بعده في الشرق والغرب على السواء، والنابغة النابه هو من يفهم فلسفته، ولا يزال العلم ينتظر من يحقق لنا: أي النظريات أخذها عن اليونان أو الهنود، وأيها خالصة له، ومن مبتكراته.
ومات ابن سينا سنة 428ه، فأغلب نتاجه كان في عصرنا الذي نؤرخه، وقد شل العقول الإسلامية بفلسفته، فلم تبتكر إلا القليل.
وقد أقيم قريبا مهرجان في بغداد لابن سينا لمرور ألف سنة على ميلاده، وقبله أقيم مهرجان في تركيا، وتزمع فارس على إقامة مهرجان له، وتدعيه روسيا؛ لأنه من تركستان الداخلة في نطاقها. والحق أن العالم ينبغي ألا تقتصر نسبته على قطر معين؛ بل هو ملك شائع للأمم كلها، كما هو شأن العلم والفلسفة نفسهما، وهو له نواح متشعبة؛ فولادته في تركستان ، وثقافته عربية إسلامية، وقد ألف بالعربية والفارسية، فله جوانب متعددة، فيجب ألا تقتصر نسبته على أمة بعينها.
إخوان الصفاء
وأما إخوان الصفاء، فهي جمعية سرية نشأت في البصرة، وكان لها فروع في أكثر البلاد كما جاء في الرسائل، فالبصرة قديما من عهد الحسن البصري كانت منشأ لمذاهب متعددة؛ فأول الصوفية تلاميذ الحسن البصري الذي كان يقيم في البصرة، والمعتزلة نشأت من تلاميذ الحسن البصري، ونشأت فيها مدرسة كبيرة نحوية تسمى مذهب البصريين، وهي تضارع مذهب الكوفيين. وهذه هي إخوان الصفاء، تنشأ في البصرة، والمصدر الوحيد الذي عرفنا منه مؤسسيها، هو قول أبي حيان في كتابيه، «الإمتاع والمؤانسة»، و«المقابسات» الذي نقله عنه القفطي؛ إذ سأل وزير صمصام الدولة أبا حيان في حدود سنة 373ه، فأجاب أبو حيان: إن زيد بن رفاعة أقام في البصرة زمنا طويلا، وصادف بها جماعة «جامعين لأصناف العلم، وأنواع الصناعة، منهم أبو سليمان البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وغيرهم، وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله، وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وسموها «رسائل إخوان الصفاء»، وكتبوا فيها أسماءهم، وبثوها في الوراقين، ووهبوها للناس.