تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد راسل ابن سينا، وراسله ابن سينا رسائل تدل على قدرته، وتمكنه من الفلسفة ، أما رسائل ابن سينا إليه فهي بين أيدينا؛ وأما رسائل البيروني إليه فموجودة في فارس لم نطلع عليها.

وللبيروني في الفلك كتابه الهام، وهو «القانون المسعودي في الهيئة والتنجيم»، يقول: إنه يشتمل على كل نواحي الفلك، على نحو لم يسبق إليه، وفيه كثير من علم الجغرافيا، ولم يخل علم لم يؤلف فيه حتى المختارات من الأدب العربي، وقد صرح في بعض كتبه أنه يفضل العربية على الفارسية؛ لأن العربية أكثر طواعية للعلم، ومصطلحاته من الفارسية. ويروى عنه أنه قال: «لأن أهجى بالعربية خير من أن أمدح بالفارسية»، وألف أيضا في طبيعة الأحجار الكريمة كتابا سماه «الجماهر في الجواهر»، وهو يحكم العقل في التاريخ، فلا يقبل منه إلا ما وافق العقل، كما فعل ابن خلدون فيما بعد، ويؤمن بأن للطبيعة قوانين ثابتة لا تتغير، ويحكي ابن خلكان أنه وهو يحتضر دخل عليه عالم فقيه يعوده، فسأله البيروني: عن مسألة مشكلة عليه من ميراث ذوي الأرحام، فقال له الفقيه: أفي مثل هذا الوقت؟ فقال له البيروني: «لأن ألقى الله عالما بها خير من أن ألقاه جاهلا بها». قال الفقيه: فما وصلت إلى الباب حتى فاضت روحه، وهو يدل على عقل جبار ينفر من الجهل بأي شيء.

ومنهجه في البحث العملي يشبه ما ذهب إليه مسكويه فيما بعد، مع الفرق بينهما في قوة العقل عند البيروني أكثر من مسكويه.

وعلى الجملة، فقد كان البيروني علما من أعلام العلماء الذين جاد بهم القرن الرابع، وقل أن يجود الزمان بمثله.

وبلغت الفلسفة الإسلامية ذروتها في عهد ابن سينا، وقد ولد ونشأ في عصرنا هذا؛ إذ قد ولد في سنة 370ه، وكان له عدة اتجاهات، فهو قصصي قصصا فلسفية، كقصة حي بن يقظان، ورسالة الطير، وقصة سلامان وأبسال، وهو شاعر كما يتجلى في أرجوزته الطبية:

للزنج حر غير الأجسادا

حتى كسى جلودها سوادا

وكما يتجلى في قصيدة النفس المنسوبة إليه، ومطلعها:

هبطت إليك من المحل الأرفع

إلخ.

وهو متصوف في بعض رسائله، ولكن قوة عقله، وقوة مزاجه منعتاه من التقدم الكبير في التصوف، وإنما قيمته الحقيقية في فلسفته، وقد بذل جهدا كبيرا في التوفيق بين فلسفة أرسطو، والأفلاطونية الحديثة، والإسلام، وهو يدور في فلسفته كثيرا على نظرية السعادة، وهو يعتقد أن الخير يفيض على العالم من المبدع الأول، وكل الموجودات سابحة في بحر من الخير، وكل منها ينال من الخير ما هو جدير به، وما هو موافق له، وهذا النظام الذي في الكون هو أحسن نظام يمكن أن يكون عليه الوجود، وهذا العالم هو أحسن العوالم التي يمكن أن يتصورها العقل، وبحث في: كيف وجد الشر في هذا العالم؟ وما هي حكمة الله من وجوده؟ وكيف فاض الشر عن المبدع الأول، وهو خير مطلق؟ وهل تتولد الظلمة من النور، أم ينشأ النقص عن الكمال؟ أليس من الشر أن يحرق بالنار ثوب الفقير المعدم؟ أليس من الشر أن يموت الطفل، وليس لأبويه ولد غيره؟ أليس من الشر أن يحرم الإنسان ما يستطيع إدراكه من الكمال؟ ألم يكن في وسع المبدع الأول أن يوجد خيرا مطلقا مبرأ من الشر، وأن يبدع اللذة، ولا يخلق الألم، وأن يبدع النور، ولا يخلق الظلمة؟! وبنى إجاباته على أن هذا العالم الذي نحن فيه عالم كون وفساد، وهو يقتضي وجود الخير مع الشر، وعنده أن الخير من طبيعة الوجود، والشر من طبيعة العدم، وهو يرى أن كل شيء جميل، كالذي يقول ابن المعتز:

قلبي وثاب إلى ذا وذا

ليس يرى شيئا فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي

ويرحم القبح فيهواه

وعنده أن اللذات تنقسم إلى عالية وخسيسة، فهو يقول: «لا يجب أن يتوهم العاقل أن كل لذة كلذة الحمار».

نعم، إن للبهائم حالة طيبة ولذيذة، ولكن أية قيمة لهذه الحالات الطيبة الخسيسة إذا نسبت إلى اللذات العالية، فالجاهل الذي لا يدرك اللذات العالية، ولا يشعر بها أشبه بالأصم الذي لا يدرك الألحان اللذيذة، فعنده أن اللذات المعنوية أفضل من اللذات المادية، ولذلك كان في قصصه الثلاث المتقدمة يرى أن كمال الإنسان في تحرره من الشهوات البهيمية؛ لأن اشتغال النفس بالشهوات، واتصالها بالمادة يمنعانها من الالتفات للملأ العالي، وعنده أن النفوس تنقسم إلى مراتب، وخيرها النفوس التي تترفع عن الأمور المحسوسة، وتتطلع إلى المثل العليا؛ فتدرك من السعادة ما لا يخطر على قلب من ينزع إلى المادة، وقد وصف الرجل الراقي بأنه: «هش بش بسام، يبجل الصغير من تواضعه، كما يبجل الكبير، وينبسط من الخامل كما ينبسط من النبيه، ولا فرق عنده بين الكبير والصغير؛ لأنه يعرف الحق في كل منهما، ولا يعرف الطمع سبيلا إلى قلبه، وهو لا يفرح لوجود الشيء، ولا يحزن على فواته، وهو لا يعنيه التجسس، ولا التحسس، وهو لا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر، وإذا أمر بالمعروف أمر برفق الناصح، لا بعنف المعير، وهو شجاع، لا يخاف الموت، جواد، صفاح للذنوب، نفسه أكبر من أن تجرحها ذلة بشر، نساء للأحقاد، يفضل التقشف على الترف»، فهو كأنه يصف بذلك الإنسان الكامل. «وإذا أمعن المريد في رياضة نفسه بلغ مبلغا يصير فيه المخطوف مألوفا، والوميض شهابا، وإذا ارتقى أكثر من ذلك قرب من الله، فيتمثل فيه جمال المبدع، وتفيض عليه اللذات الحقيقية، ويغيب عن نفسه، فلا يرى إلا المعبود المبدع، ولا يلحظ إلا جمال الحق، وينسى نفسه، وإن لحظ نفسه، فمن حيث هي لاحظة، لا من حيث هي ذات زينة. وهناك درجات يضيق عنها العاقل، ولا يحاول أن يعبر عنها، بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:

ظهر الإسلام · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٦٩