هر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدر
وعدلت عنه إلى عمر
50
وأخيرا قال الشاعر:
الله أكبر ليس الحسن في العرب
كم تحت لمة ذا التركي من عجب
أما من الناحية العقلية - وهي التي تهمنا هنا - فإنا نرى أن ابتداء سلطان الأتراك - وكان ذلك في عهد المتوكل - مصحوب بمظاهر جديدة تخالف كل المخالفة ما كان من قبل، أهمها ثلاثة: (1)
إلغاء سلطان المعتزلة وإعلاء شأن المحدثين، فنهى المتوكل عن القول بخلق القرآن والجدال في الكلام، «وأظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة 234ه، واستقدم المحدثين إلى سامرا، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية».
51
وكتب كتابا على الأمصار يأمر بترك الجدال في القرآن، واضطهد رؤساء المعتزلة وضيق عليهم؛ فرئيس الاعتزال في مصر وهو محمد بن أبي الليث، جاء كتاب المتوكل بحلق رأسه ولحيته وضربه بالسوط، وحمله على حمار بإكاف وتطوافه الفسطاط، ثم أخرج إلى العراق،
52
وأحمد بن أبي دؤاد رأس الاعتزال في العراق قد غضب عليه المتوكل، وعلى ابنه محمد وصادر أموالهما - وما أظن أن الجاحظ المعتزلي نجا من النكبة إلا لأنه مرن، وقد دفع عنه الشر بمرونته، وبما قدم من رسالته في إعلاء شأن الأتراك، واتصال بالفتح بن خاقان - وفي الوقت نفسه أعلى المتوكل شأن المحدثين، فكرم أحمد بن حنبل، وفي عهده جلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة يحدث الناس، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضا نحو من ثلاثين ألف نفس.
53
وتبلور عداء الناس للمعتزلة في أبي الحسن الأشعري، فقد ولد بعد المتوكل بنحو اثني عشر عاما، وتثقف ثقافة المعتزلة، ثم عاداهم وأعلن الحرب عليهم، ودعا إلى مذهب كلامي اعتنقه جمهور كبير من المسلمين، كما سيأتي، فالأشعري يمثل الموجة الحديثة التي أتت في عهد المتوكل تهاجم المعتزلة وتنصر المحدثين وأهل السنة، وهو ليس إلا معبرا عن ميول عصره، وصدى لصوت زمانه. رجع عن الاعتزال «ورقي كرسيا في المسجد الجامع بالبصرة، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم».
54
وقال أبو بكر الصيرفي: «كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم.» ولكن الحق أنه ما كان له هذا لولا ما كان من المتوكل من الحجر عليهم، والتنكيل بهم، وتأييد الجمهور - بتأثير المحدثين - لهذه الحركة.
والواقع أن هذه الحركة، وأعني بها اضطهاد المعتزلة ونصرة المحدثين، كان لها أثر كبير في حياة المسلمين من ذلك العهد إلى اليوم، فقد لونت حياتهم بلون خاص، ظلوا يحافظون عليه طوال العصور المختلفة.
كانت طبيعة الاعتزال تدعو إلى التفلسف واتجاه العقل في مناح شتى من الحياة، وتحريره من كثير من القيود بعد الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بالقرآن، وحصر الحديث في دائرة ضيقة - كما تقدم - وإشعار الإنسان بالمسئولية؛ لأن أعماله صادرة عنه، ولكنهم - مع الأسف - آمنوا بهذه الحرية وأرادوا أن ينفذوا الحرية بالقوة والسلطان، فكانت حرية بالإكراه.
وطبيعة المحدثين تدعو إلى الوقوف عند النصوص والتزامها، وتضييق دائرة العقل، واحترام الرواية إلى أقصى حد، والبحث وراء ألفاظ الحديث ومعانيه وأسانيده؛ وهذا - مع اعترافنا بما له من مزايا - يستتبع نمطا في التفكير خاصا يسود فيه تقديس النقل أكثر من تقديس العقل، والتقليد دون الاجتهاد، والوقوف عند النصوص دون التعمق في مغازيها ومراميها، والنظر إلى الفلسفة والبحث العقلي في الكليات نظر البغض والكراهة، وعد المفكر على هذا النمط ملحدا أو زنديقا ... إلخ.