تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع ذلك جرى على نظرية الفارابي هذه ابن سينا، وابن رشد، وبعض الشيعة في رسائلهم، وإخوان الصفا، والمتصوفة، وقد نشأ من اعتقاد المتصوفة بهذه النظرية إعلاء شأن الأولياء حتى قاربوا الأنبياء، فلما لم يكن الغزالي فيلسوفا، وكان سنيا لم يرض عن نظرية الفارابي، وفندها في كتابه «تهافت الفلاسفة»، فقال: «إن النبي يستطيع الاتصال بالله مباشرة، أو بواسطة ملك من الملائكة دون حاجة إلى قوة متخيلة خاصة، أو أي فرض آخر من الفروض التي يفترضها الفلاسفة».

وعلى كل حال، كان لنظرية الفارابي هذه في النبوة أثر كبير في المسلمين قلدوها، وأعادوها، وشرحوها، أو ردوا عليها وفندوها.

فنحن إن قلنا: إن الفلسفة الإسلامية وضعت أصولها على يد الفارابي في القرن الرابع، ولم يكن ما جاء بعدها في القرن الخامس وما بعده إلا شرحا وتفسيرا، وتعليقا لم نبعد.

وقد بحث الفارابي فيما بحث نظرية السعادة، وهي نظرية اهتم بها أرسطو من قبل، وظل الفلاسفة يزيدونها شرحا وتوسيعا إلى يومنا هذا، ما هي السعادة؟ وما علاقتها باللذة؟ وهل السعادة إلا اللذة؟ حتى إن بنتام، وجون استوارد مل ألفا كتابين عظيمين في السعادة، وأنها هي اللذة، وأن لا شيء يسبب السعادة إلا اللذة، وكل شيء تزيد لذائذه عن آلامه سمي فضيلة، وكل شيء تزيد آلامه عن لذائذه سمي رذيلة، وما مقياس الأخلاق الفاضلة، والرذائل، والجرائم إلا ما يتبع العمل من لذة أو ألم.

وكان ممن أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع الفارابي في كتبه؛ فبحث السعادة، وشروطها، ودرجاتها، وأبان كما أبان بعده الفلاسفة المحدثون أن اللذة العقلية والروحانية خير من اللذات المادية الجسمية.

ونظرة الفارابي إلى السعادة نظرة صوفية متأثرة بطرق معيشته، فإذا كان العقل أرقى من الجسم، كانت السعادة الناشئة عن العقل خيرا من السعادة التي تنشأ عن الجسم، يقول في بعض كتبه: «والسعادة هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود بحيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد ... والسعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست تطلب أصلا ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر أعظم منها، يمكن أن يناله الإنسان، والأفعال الإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة، والهيئات، والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي النقائض، والرذائل، والخسائس».

وعلى الجملة، فلو جمعت كتب الفارابي، ورتبت وبوبت لكان منها دائرة معارف فلسفية واسعة، فما وضعه الفارابي من أسس فلسفية أكثر مما وضعه ابن سينا، وابن رشد، وأمثالهما.

ثم كان هناك عالم آخر من طراز آخر غير الفارابي، وهو أبو الريحان البيروني، وهو وإن توفي في القرن الخامس إلا أنه أزهر في القرن الرابع، فقد كانت ولادته سنة 362ه، وهو ينسب إلى بيرون، إحدى ضواحي مدينة خوارزم، وقلنا: إنه من طراز آخر؛ لأنه لم يشغل بالإلهيات، والنظريات المنطقية كما شغل الفارابي، ولكنه شغل بالجغرافيا والفلك، وأحوال الأمم، فهو عملي أكثر منه نظريا، وميزته الكبرى أنه وجه همه إلى دراسة الهند - ديانتها، ورياضياتها، وفلسفاتها، وعقائدها، وتقاليدها - ومكث في هذه الدراسة أربعين عاما منذ صحب محمودا الغزناوي فاتح الهند، واضطرته الرغبة في تعرف الهند إلى تعلم لغاتها السنسكريتية، وألف في ذلك كتبا لا يزال يعتمد عليها في معرفة الهند إلى اليوم، من أهمها كتاب «تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرزولة»، قارن فيه بين رياضيات الهند، ورياضيات اليونان، وفضل الثانية على الأولى، كما قارن بين فلسفة الهند وفلسفة اليونان، وبادل الهنود معرفة بمعرفة، وكان من مزاياه أيضا عمق نظره، وسعة أفقه، وكثرة علمه بأحوال الأمم، وعدم تعصبه، لا يمنعه اعتقاده عن إنصاف مخالفه، فهو مثال للعالم الصحيح في الشرق والغرب.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٦٨