تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

والفارابي لا يقر ما يقال من أحكام النجوم، وأن الإنسان يتلقى المعرفة عن هذه العقول، وهو لا يدرك ما يدركه إلا بمساعدتها، والعقول يؤثر كل منها في الذي يليه، بمعنى أن كلا منها يقبل فعل ما فوقه، ويؤثر فيما دونه. وقد سبق أنه قال: إن العقل الفعال في الإنسان؛ ولكنه في موضع آخر يقول: إن العقل الفعال هو عقل الفلك الأدنى؛ وهو فعال في العقل الإنساني، والعقل الإنساني منفعل به، ومفارقة النفس للبدن تعطيها كل ما للعقل من حرية.

وعنده أنه لا تبلغ الأخلاق كمالها إلا في مدينة فاضلة؛ لأن الإنسان مدني بطبعه كما ذكرنا. ونفوس أهل المدينة الجاهلة تكون خلوا من العقل، وهي تعود إلى العناصر لتتحد من جديد بكائنات أخرى من الناس، أو الحيوانات الدنيا، «وهذا القول أشبه ما يكون بالقول بالتناسخ»، والنفوس الضالة تلقى ما تلقاه النفوس الجاهلة، أما النفوس الخيرة فهي وحدها التى تبقى بعد مفارقتها الجسد، وتدخل العالم العقلي، وكلما زادت درجتها في المعرفة علا مقامها بعد الموت بين النفوس، وزاد حظها من السعادة الروحية.

وأدى تعمق الفارابي في التوفيق بين الفلسفة والدين أن يضع نظرية في النبوة، ذلك أن الكلام في النبوة كان شائعا بين مثبت لها ومنكر؛ ولذلك ألفوا كثيرا كتبا سموها: «دلائل النبوة»، أو «أعلام النبوة» كما فعل الجاحظ، والقاضي عبد الجبار، وغيرهما.

وألف آخرون في نفيها، كما فعل ابن الراوندي، وأبو بكر الرازي، وغيرهما، فجاء الفارابي يدعي في النبوة أمرا جديدا، يثبته بالعقل الفلسفي؛ ذلك أنه ربط النبوة بالأحلام، ولذلك عقد في بعض كتبه فصلين متتاليين، أحدهما في الأحلام، والثاني في النبوة، وجعلهما راجعين إلى القوة المخيلة في الإنسان، وربما أوحى إليه بذلك الإسلام نفسه، فقد جعل الإسلام الأحلام الصحيحة إرهاصا للنبوة، وفي الحديث: «أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان النبي إذا رأى الرؤيا جاءت مثل فلق الصبح واضحة صحيحة». وهو يرى أن الأحلام تابعة لأحوال النائم العضوية والنفسية، وإحساساته في اليقظة، فهي تختلف فيما بينهما؛ لاختلاف العوامل المؤثرة فيها، فالجائع يحلم أنه يأكل، والعطشان يحلم أنه يسبح في الماء، «وقد يتحرك الإنسان أثناء نومه تلبية لنداء عاطفته الخاصة، أو يجاوز مرقده، ويضرب شخصا لا يعرفه، أو يجري وراءه».

فإذا ارتقى الإنسان وإحساساته وتخيلاته، استطاعت مخيلته أن تشكل أحلامه بشكل العالم الروحاني، فيرى النائم السماوات وما فيها، ويشعر بما فيها من لذة وبهجة، وقد تصعد المخيلة إلى هذا العالم، وتتصل بالعقل الفعال، وتتقبل منه الأحكام المتعلقة بالأعمال الجزئية، والحوادث الفردية؛ وبذا يكون التنبؤ، وبه تفسر النبوة، ويقول الفارابي أيضا: «إن القوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما قوية كاملة جدا، وكانت المحسوسات الواردة عليها من خارج، لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها، ولا يستخدمها للقوة الناطقة، بل كان فيها مع اشتغالها بهذين، فضل كثير تفعل به أيضا أفعالها التي تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منها في وقت النوم، اتصلت بالعقل الفعال، وانعكست عليها منه صور في نهاية الجمال والكمال. وقال الذي يرى ذلك: إن لله عظمة جليلة عجيبة، ورأى أشياء عجيبة لا يمكن وجود واحد منها في سائر الموجودات أصلا، ولا يمتنع إذا بلغت قوة الإنسان المتخيلة نهاية الكمال أن يقبل في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، وسائر الموجودات الشريفة، فيكون له بما قبله من المعقولات نبوءة بالأشياء الإلهية وهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة، والتي يبلغها الإنسان بهذه القوة».

وعيب هذه النظرية ربط النبوة بالخيال، كأن ما يراه النبي متخيل، وربما عد أيضا من عيوبها، وإن كان غير واضح عد ما يراه النبي، وما يعدو إليه من قبيل الخيال لا من قبيل رؤية الواقع، وهذا يضعف من شأن النبوة، ولكن من مزاياها ميلها إلى جعل النبوة مرتبطة بالمواهب التي لبعض الناس، وهذا يوافق ما يقوله رجال الدين من أن النبوة منحة من الله لا مكتسبة.

ظهر الإسلام · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٦٧